لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٧ - القول فى تفسير اسمه(اللطيف)
و يهيئ مصالحهم من حيث لا يحتسبون، و منه قوله: «اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ» و احتج من فسر اللطيف بهذا التفسير، بأن قال: حمله عليه أولى من حمله على العلم، بدليل قوله «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، و لا شك أن الخبير هو العالم، فلو كان اللطيف أيضا عبارة عن العالم لزم التكرار، و هو غير جائز.
و رابعها: ما ذكره الغزالى فقال: هذا الاسم إنما يستحقه من يعلم حقائق المصالح و غوامضها، ثم يسلك فى إيصالها إلى مستحقها سبيل الرفق دون العنف، فاذا اجتمع هذا العلم و هذا العمل ثم معنى اللطف؛ ثم لا يتصور كمال هذا العلم إلا للّه سبحانه و تعالى، أما علمه بالغوامض و الخفايا فلا شك فيه، فإن الخفى و الجلى بالنسبة إليه فى العلم سيان، و أما رفقه فى الأفعال، و لطفه فيها، فلا يدخل تحت الحصر.
و هاهنا: نذكر دقائق حكمة اللّه تعالى فى خلق السموات، و الكواكب، و العناصر، و الإنسان، و سائر الحيوانات، و النبات، ثم قال بل لو أردنا أن نذكر لطفه فى تفسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها، لعجزنا عنه، فانه قد تعاون على إصلاح تلك اللقمة خلق لا يحصى عددهم، من مصلح الأرض، و زارعها، و ساقيها، و حامل حبها، و منقيها، و طاحنها، و عاجنها، الى غير ذلك.
فهو سبحانه و تعالى من حيث دبر الأمور حكيم و من حيث أوجدها جواد، و من حيث رتبها مصور، و من حيث وضع كل شيء فى موضعه عدل، و من حيث لم يترك فيها دقائق وجوه اللطف و الرفق لطيف، و لن يعرف حقيقة هذه الأسماء البتة من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال.
و من لطفه بعباده. أنه أعطاهم فوق الكفاية، و كلفهم دون الطاقة، و سهل عليهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعى خفيف فى مدة قصيرة و هى العمر، فإنه لا نسبة له البتة إلى دوام الأبد.