لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٥ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
أما الجواب عما تمسك به ثعلب فهو أن العرب إنما أنكروا الرحمن لا لأجل ما ذهب إليه ثعلب لكن لأجل أنهم كلما سمعوا قوله تعالى «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» «١» توهموا أن اللّه غير الرحمن، فأنكروا الرحمن بهذا الخيال، لا لأجل أنهم ما عرفوا هذه اللفظة فى لغتهم.
و الجواب عن الثانى: إنما لم يحسن أن يقال إنه رحمن بعباده، لأن هذا يوهم أن كونه رحمانا مختص بعباده و ليس الأمر كذلك، فإن كونه تعالى رحمانا يقتضي عموم رحمته فى الدنيا و الآخرة و فى حق البر و الفاجر، و أما الرحيم فهو المختص بالمؤمنين، قال تعالى: «وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً» «٢».
و الجواب عن الثالث: أن ذكر الرحيم بعد الرحمن إنما كان لتخصيص المؤمنين بزيادة بعد عموم البر و الفاجر، فاللّه تعالى رحمن يرحم البر و الفاجر فى الرزق، و فى دفع الأسقام، و المصائب، و الدواهى، و هو رحيم يرحم المؤمنين خاصة بالهداية، و المغفرة، و إدخال الجنة.
و الجواب عن الرابع: أن ورود ما يشبه هذه اللفظة فى العبرانية لا يقدح فى كونها عربية لا سيما و بين العربية و العبرانية مشابهات كثيرة فى الألفاظ.
المسألة الثانية: اختلف العلماء فى معنى الرحمن: فقال بعض المحققين: الرحمة من صفات الذات، و هى إرادة إيصال الثواب و الخير، و دفع الشر، و على هذا التقدير كان البارى فى الأزل رحمانا رحيما لأن إرادته أزلية، و معنى ذلك أنه تعالى أراد فى الأزل أن ينعم على عبيده المؤمنين فيما لا يزال، و قال آخرون الرحمة من صفات الفعل، و هى إيصال الخير، و دفع الشر.
______________________________
(١) جزء من الآية ١١٠ من سورة الإسراء.
(٢) جزء من الآية ٤٣ من سورة الأحزاب.