لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٦ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
و احتج الأولون: بأنه يصلح أن يقال: رحمته و ما أنعمت عليه، و أن يقال:
أنعمت عليه و ما رحمته، و ذلك يدل على أن الرحمة ليست اسما لذلك الفعل، ألا ترى أن من رأى إنسانا فى بلاء و شدة، و أراد أن يدفع ذلك البلاء عنه، و لم يقدر عليه صح أن يقال: إنه رحمه و لكنه ما قدر على أن ينفعه، و قد يقال أيضا:
دفعت البلاء عنه، و إن كنت ما رحمته؛ فهذا النفى و الإثبات يدل على أن الرحمة نفس الإرادة لا الفعل.
و احتج من قال: إن الرحمة اسم للخير بوجوه.
أحدها: أنه تعالى سمى الخير رحمة، فقال: «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ» «١» و سمى المطر رحمة، فقال: «وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» «٢» و هذا يدل على أن الرحمة اسم للنعمة لا لإرادة النعمة.
الثانى: أنه يجوز وصف الرحمة بما لا يجوز وصف الصفات الأزلية به، فوجب أن لا تكون الرحمة عبارة عن الصفة الأزلية.
بيان المقام الأول: أنه يقال هذه الرحمة عامة، و هذه الرحمة خاصة، و لا يجوز أن يقال هذه الإرادة عامة، و هذه الإرادة خاصة، و قال تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» «٣» و لا يجوز أن يقال: إرادة اللّه قريبة من المحسنين، و روى عن أبى هريرة أنه عليه الصلاة و السلام قال «إن للّه مائة رحمة، و إنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون.
و بها يتراحمون، و أخّر تسعا و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» و معلوم أن هذه الأحكام لا تليق بصفة اللّه تعالى و بإرادته، و قال تعالى: «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ
______________________________
(١) جزء من الآية ٣١ من سورة الإنسان.
(٢) جزء الآية ٥٧ من سورة الأعراف ٤٨ من الفرقان.
(٣) جزء من الآية ٥٦ من سورة الأعراف.