لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٢ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
حتى أن بعضها يقتل بعضا، و بعضها يقتدى من بعض، فكيف تتحقق الرحمة مع أن الأمر كذلك؟
و الجواب: الخلق هاهنا على ثلاثة مقامات:
الأول: قول الفلاسفة: فإنهم قالوا الأقسام العقلية خمسة، فإن الشيء إما أن يكون خيرا محضا، أو شرا محضا، أو مشتملا على الاعتبارين، و هذا القسم الثالث إما أن يكون خيره معادلا لشره، و إما أن يكون خيره غالبا أو شره غالبا.
إذا عرفت هذا فنقول:
أما الأقسام الثلاثة، و هو الّذي يكون شرا محضا؛ أو شره غالبا؛ أو معادلا فهذا غير موجود البتة؛ بقى هاهنا قسمان: أحدهما: أن يكون خيرا محضا:
و لا كلام فى أن الحكمة تقتضى تحصيله، و الثانى: الّذي يكون خيره غالبا على شره و يكون بحيث يمتنع أن ينفك ذلك الخير الغالب عن ذلك الشر المغلوب؛ فهذا القسم أيضا الحكمة تقتضى إيجاده؛ لأن ترك الخير الكثير؛ لأجل الشر القليل شر كثير؛ و إذا كان الأمر كذلك صار الخير مقضيا؛ و مراد بالذات، و صار ذلك الشر القليل الّذي هو من لوازم ذلك الخير الكثير مقضيا، و مرادا بالتبع، و الغرض، و عند هذا قالوا جميع الشرور الحاصلة فى العالم من هذا القسم.
و ليس لأحد أن يقول فلم لم يجعل الخالق القادر ذلك الخير الغالب عن ذلك الشر النادر؛ مميزا بما كان ممتنعا لذاته؛ فلم يكن ذلك عجزا فى حق الخالق، لأن العجز، إنما يحصل عند كونه فى نفسه ممكنا، فأما إذا كان ممتنعا لذاته لم يلزم العجز، فهذا حاصل مذهب الفلاسفة فى هذا الباب.
و القول الثانى: قول المعتزلة: و هو أن كل ما حصل فى هذا العالم من أنواع الأمراض و الآلام فعل اللّه تعالى، فإنه سبحانه و تعالى فعلها لأجل الاعتبار و العوض، أما الاعتبار فإن ذلك يصير لطفا داعيا للمكلف إلى فعل الواجبات، و الاحتراز عن المقبحات، و بهذا الوجه يخرج فعل هذه الآلام عن كونه عبثا،