لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥١ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
و الصحة و المرض فلم يبق لابن آدم حال رابعة. و قال أيضا: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ» «١» قال بعض المحققين إن اللّه تعالى لم يفرض على أحد من عباده فريضة إلا جعل اللّه له حدا معلوما تنتهى إليه، و عذر أهلها فى سائر الأحوال، إلا الذكر فإنه لم يجعل له حدا معلوما ينتهى إليه، و لم يعذر أحدا فى تركه إلا من كان مغلوبا على عقله.
و ثالثها: قال «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» «٢» و العلماء ذكروا فى هذا التشبيه وجوها الأول: كأنه يقول علمت من تقصيركم أنكم لا تذكرونى كذكركم أولادكم فاذكرونى كذكركم آباءكم. الثانى: أن ذكر الإنسان أباه يكون بالتعظيم و ذكر الولد يكون بالشفقة، و اللائق بحضرة اللّه هو التعظيم لا الشفقة.
الثالث: أنت جئت من الأب فى الظاهر و من قدرتى فى الحقيقة فأنت تحبنى كما تحب أباك و أنا أحبك كما يحب الولد و إن كنت منزها عن الصاحبة و الولد. الرابع:
اذكروا اللّه كذكركم آباءكم أى بالوحدانية، لأن الابن لو نسب إلى غير الوالدين لاستنكف و نأبى، فلا تجعل لنفسك آلهة كثيرة و استح من إثبات الشركاء.
و الخامس: تذكر أباك للاستعانة به فى المهمات، فاذكرونى كما يذكر الطفل أباه عند نزول المهمات. السادس: قال ابن عباس إذا ذكر أبوك بسوء تغضب، فكذا إذا ذكر اللّه بسوء يجب أن تغضب. السابع: أول ما يتكلم الصبى بقوله ايابه فكذا يجب أن يكون ذكر اللّه تعالى فى أول كلامك. الثامن: أنك تكون أبدا رطب اللسان بمناقب الأب، فكذلك يجب أن تكون أبدا رطب اللسان بتسبيح اللّه تعالى و تمجيده.
و رابعها: ذكر فى آيات أخرى حكمة الذكر و هى من وجهين أحدهما قوله «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» «٣» و فى تفسير هذه الآية وجهان أحدهما أن ما سوى الحق ممكن لذاته و الممكن لذاته يحتاج إلى غيره فالممكن لذاته واقف عند
______________________________
(١) جزء من الآية ١٠٣ من سورة النساء.
(٢) جزء من الآية ٢٠٠ من سورة البقرة.
(٣) جزء من الآية ٢٨ من سورة الرعد.