لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٢ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
نفسه بل واقف بغيره و لغيره، فلا جرم ما دمت تنظر إلى الممكن من حيث هو هو امتنع وقوفك، أما الواجب لذاته فإنه مقطع الحاجات فامتنع الانتقال منه إلى غيره، فالطلبات تنقطع عند فضله و الحاجات تزول عند التعلق به، فلهذا قال «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ». الثانى: أن جهات حاجات العبد غير متناهية و المخلوقات متناهية و المتناهى لا نسبة له إلى غير المتناهى، فإذا حاجة العبد لا تزول بمجموع المخلوقات، بل لا بد فى مقابلة حاجاته التى لا نهاية لها من كرم و قدرة لا نهاية لهما و ما ذاك إلا للحق سبحانه و تعالى، فلهذا قال «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».
الحكمة الثانية للذكر: قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «١» ففائدة الذكر إزالة الظلمة البشرية، و ذلك لأن ما سوى الحق ممكن لذاته و الممكن لذاته إذا ترك من حيث هو هو بقى على العدم و العدم منبع الظلمة، فكل ما سوى اللّه مظلم فى ذاته، و الحق واجب الوجود لذاته، فحضرته منبع الأنوار، فلا جرم كان الاشتغال محضرة القدس و جناب الجلال يفيد وصول أنوار عالم الربوبية إلى باطن القلب فتزول ظلمات البشرية عن القلب و الروح.
و اعلم أنه تعالى كما بين منافع الذكر بين أيضا مفاسد الإعراض عن الذكر و هى أمور أربعة. الأول: قوله «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى» «٢» و هذه الآيات صريحة فى أن ذكر اللّه بالنسبة إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى الحدقة المعروفة، و الثانى قال «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» «٣». و تحقيقه أن
______________________________
(١) الآية ٢٧ من سورة الأعراف.
(٢) الآيات ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦ من سورة طه.
(٣) الآية ٣٦ من سورة الزخرف.