قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣٣٩ - المقام الثاني
ممّا لا ينبغي إنكاره، بل ينقل المؤرخون أنّ فكرة الدية كتعويض عن القتل أو الجرح كانت سائدة في المجتمعات البشرية قبل الإسلام و كذلك في المجتمعات التي لم تدخل في الإسلام، كما أنّ فكرة التعويض بل و تحمّل نفقات العلاج ممّا تلتزم به القوانين الوضعية اليوم في العالم بحيث يعدّ المنكر لذلك ظالماً و خارجاً على مبادي العدل و الحق. و من غير المحتمل أن تكون الدية عقوبة صرفة، كيف؟! و تثبت في موارد الخطأ المحض، بل و التسبيب، ففيها جنبة التعويض جزماً عند العرف، كما يستفاد ذلك من ألسنة الروايات التي عبّرت بالضمان أو التي جمعت بين ضمانها و ضمان المال في سياق واحد و بموجب واحد.
فإذا ثبت ضمان الجاني في جميع الأعراف العقلائية لمال يعطى للمجني عليه أو وليه كتعويض عما أصابه من الجناية، فمن المطمأنّ به أنّ هذا التعويض لا يكون أقلّ من نفقة العلاج اللازمة و الضرورية للبرء إذا كانت الجناية دون النفس، فإنّ هذا أقل ما يستحقه المجني عليه من الجاني إذا كان هناك استحقاق.
و هذا يعني أنّ أصل تمامية المقتضي لضمان نفقة العلاج و لو ضمن ما يضمنه الجاني في مقام التعويض المالي عن الجناية ممّا لا يمكن إنكاره، و إنّما ينبغي البحث عن أنّ روايات الدية هل يستفاد منها ما ينافي ذلك باعتبار ما فيها من السكوت عن ذكر ضمان نفقات العلاج التي كانت موجودة سابقاً أيضاً أم لا؟
و قد ذكرنا أنّه إن اريد ضمان نفقة العلاج زائداً على الدية و مجتمعاً معها فهذا قد يمكن دعوى ظهور سكوت الروايات- و لو في جملة منها أشرنا إلى طوائف ثلاث منها- في نفيه، و أمّا لو اريد ضمان نفقة العلاج ضمن الدية و بنحو التداخل بحيث يكون اللازم أعلى الحدّين من مقدار الدية و نفقة العلاج اللازمة عادةً و عرفاً فهذا ما لا يمكن نفيه بالسكوت المذكور في الروايات أولًا، بل يدلّ عليه معتبرة غياث ثانياً.
و الوجه فيه: أنّ الدية حتى بمراتبها الأولية في باب الجروح كانت أكثر في