روضات الجنات فی احوال العلماء و السادات - الموسوي الخوانساري، محمد باقر - الصفحة ١٤٦ - ١٥٨* (العالم العارف الكامل الكاشف عن لطائف أسرار الفنون بهلول بن)** (عمرو العاقل العادل الكوفى الصوفى المشتهر بالمجنون)*
في ذلك أرسل إلى حملة الفتيا يستفتيهم عن إباحة دمه المعصوم عليه السّلام متّهما إيّاه بداعية الخروج، فأفتوا- قاتلهم اللّه جميعا- بالإباحة سوى البهلول، و كان منهم فإنّه لقى في سرّه الإمام عليه السّلام، و أخبره بالواقعة، و طلب منه الهداية إلى طريق النجاة. فأشار عليه السّلام إليه بالتجنّن في أعينهم و إظهاره السفه و الهذيان صيانة لنفسه و دينه، و اقدارا له على إحقاق الحقّ، و إبطال الباطل كما يريد.
قلت: و يؤيّد ذلك ما نقله السيّد نعمت اللّه التسترى- رحمه اللّه- في حقّ الرجل في كتابه الموسوم ب «غرائب الأخبار» قال: روى أنّ هارون الرشيد أراد أن يولّى أحدا قضاء بغداد فشاور أصحابه فقالوا: لا يصلح لذلك إلّا بهلول. فاستدعاه و قال:
يا أيّها الشيخ الفقيه أعنّا على عملنا هذا. قال: بأيّ شيء اعينك. قال: بعمل القضاء.
قال: أنا لا أصلح لذلك. قال: أطبق أهل بغداد على أنّك صالح لهذا العمل. فقال:
يا سبحان اللّه إنّي أعرف بنفسي منهم. ثمّ إنّى في إخبارى عن نفسى بأنّي لا أصلح للقضاء لا يخلو أمرى من وجهين: إمّا أن أكون صادقا. فهو ما أقول، و إن كنت كاذبا.
فالكاذب لا يصلح لهذا العمل. فألحّوا عليه و شدّدوا. و قالوا لا ندعك أو تقبل هذا العمل قال: إن كان و لابدّ فأمهلونى الليلة حتّى افكّر في أمرى فأمهلوه. فخرج من عندهم فلمّا أصبح في اليوم الثاني تجانن، و ركب قصبة، و دخل السوق، و كان يقول:
طرّقوا خلّو الطريق لا يطأكم فرسى. فقال الناس: جنّ بهلول فقيل: ذلك لهارون فقال: ما جنّ و لكن فرّ بدينه منّا، و بقي على ذلك إلى أن مات: و كان من عقلاء المجانين- رحمه اللّه-.
و يؤيّد أيضا صدق هذه النسبة إليه. ما نقل في أخبارنا المعتبرة من صدور الأمر بالتجانن عن مولانا أبي جعفر الباقر عليه السّلام بالنسبة إلى جابر الجعفي، و هو أيضا من حملة أسرارهم الأخيار المقرّبين حين خروجه إلى الكوفة من خدمة الإمام عليه السّلام، و كان والى الكوفة قد أمر بإرسال رأسه إلى الخليفة لكثرة ما كان ينشره فيهم من مناقب المعصومين عليهم السّلام. فصار ذلك منشأ لخلاصه و عذرهم إيّاه بعد شهادة أهل البلد بجنونه إلّا أنّ جنون جابر كان من قبيل الإدوارى، و مختصّا بتلك الواقعة بخلاف جنون