المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٤ - كتاب المزارعة
يجوز القاؤها في الارض ويجوز بيعها لان المغلوب في حكم المستهلك فاما إذا كانت غير مخلوطة بالتراب فلا يجوز بيعها ولا استعمالها في الارض لنجاسة عينها بمنزلة الخمر وكانت هذه الحرمة لاحترام بنى آدم فبيع السرقين والقاؤه في الارض جائز ولكن لاحترام بنى آدم لا يجوز ذلك في الرجيع وهو كالشعر فان شعر الآدمى لا ينتفع به بعد ما بان عنه بخلاف شعر سائر الحيوانات وصوفها وعلى الرواية الاخرى عن أبى حنيفة أذا ألقاها في الارض وخلطها بالارض وصارت مستهلكة فيها يجوز استعمالها كذلك ولكن لا يجوز بيعها غير مخلوطة بالتراب وعن خالد الحذاء قال كنت عند مجاهد فذكر حديث رافع بن خديج رضى الله عنه في كراء الارض فرفع طاوس يده فضرب صدره ثم قال قدم علينا معاذ رضى الله عنه اليمن وكانيعطى الارض على الثلث والربع فنحن نعمل به إلى اليوم ومعنى ما قاله طاوس أن معاذا رضى الله عنه كان أعلمهم بالحلال والحرام ومان يخفى عليه النهى الذى رواه رافع بن خديج وقد كان يباشر المزارعة بالثلث والربع فنحن نتبرم في ذلك ونحمل النهى على ما حمله معاذ رضى الله عنه فقد كان دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمد الله تعالى لما وفقه لما يرضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كليب بن وائل قال قلت لابن عمر رضى الله عنهما رجل له أرض وماء وليس له بذر ولا بقر أعطاني أرضه بالنصف فزرعتها ببذري وبقري ثم قاسمته فقال حسن وفيه منه دليل على أن العالم يفتى بما يعتقد فيه الجواز وان كان لا يباشره فقد روينا أن ابن عمر رضى الله عنهما ترك المزارعة لاجل النهى ثم أفتى بحسنها وجوازها للسائل وعن جابر رضى الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم مبشر فقال يا أم مبشر من غرس هذا النخل مسلم أو كافر قالت بل مسلم قال عليه الصلاة والسلام لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه انسان ولا دابة ولا سبع ولا طير الا كانت له صدقة يوم القيامة وفى رواية وما أكلت العافية منها فهى له صدقة يعني الطيور الخارجة عن أوكارها الطالبة لارزاقها وفيه دليل أن المسلم مندوب إلى الاكتساب بطريق الزراعة والغراسة ولهذا قدم بعض مشايخنا رحمهم الله الزراعة على التجارة لانها أعم نفعا وأكثر صدقة وقد باشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روينا أنه ازدرع بالجرف وفى الحديث رد على من يكره من المتعسفة الغرس والبناء وقالوا انه يركن به إلى الدنيا وينتقص بقدره من رغبته في الآخرة والآخرة خير لمن اتقى وهذا غلط ظنوه فانه يتوصل بهذا الاكتساب إلى الثواب في الآخرة