فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٦
الخصم وأدلّته ، وما يقابلها على ضؤ الاُصول والقواعد المقرّرة عنده ، وهذا يعني أنّ الصدوق الأوّل كان على ثقافة واسعة فيما يرتبط بفهم عقائد الآخرين من غير الشيعة الإمامية ، والردّ عليها وتفنيدها بما هو متسالم على صحّته عندهم ، وإلاّ فليس بتلك السهولة أن ينبذ ابن مقاتل الرازي عقيدته ويتحوّل إلى شيعي في مناظرة واحدة ، لو لم يكن ندّه قد أتى عليه من كل جانب .
٣ ـ إهانته للحلاّج :روى الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة رواية مسندة تكشف عن تصدّي الصدوق الأوّل وبكل حزم وقوّة لمغامرة الحسين بن منصور الصوفي المعروف بالحلاّج الذي كان قد أظهر المذاهب الرديئة ، وكان من أمره أن قدم إلى مدينة قم في زمان الشيخ علي بن بابويه القمّي رضي اللّه تعالى عنه وكاتبَ أقرباء الشيخ واستدعاهم لتأييده ونصرته ، كما كاتب الشيخ علي بن بابويه نفسه لأجل هذا الغرض ، زاعماً أنّه رسول من الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف!
وكيف أنّ الشيخ علي بن بابويه قد أهانه أمام الناس ، وواجه الموقف بكل صلابة وحزم؛ إذ كذّب الحلاّج على رؤوس الأشهاد ولعنه ، وأمر غلمانه بإهانته وضربه وطرده ، حتى أنّه هرب من قم كلّها ولم يعد إليها البتة ، نظراً لما وجده من صلابة شيخها وفقيهها ازاء كل من ينتحل كذباً تلك المقامات السامية (٢٠).
المكانة الاجتماعية والنفس الأبيّة في إهانة الحلاّج :
في رواية إهانة الحلاّج ـ التي ذكرنا ملخّصها ـ ما يكشف عن ركيزتين لهما أبلغ الأثر في مقوّمات شخصيّة الصدوق الأوّل (قدس سره) ، وهما :
١ ـ مكانته الاجتماعية :ذلك لأنّ قطع مادة الفساد في مدينة مثل قم وتكذيب مروّجها وإهانته وطرده من المدينة ، لا يتمّ إلاّ لمن كانت له مكانة اجتماعية مرموقة وكلمة مسموعة ، هذا أوّلاً ، وثانياً : إنّ محاولة الحلاّج نفسه تكشف وبوضوح عن مكانة الشيخ في المجتمع القمّي ؛ لأنّ مكاتبته للشيخ نفسه تعني أنّ محاولة الحلاّج كانت مدروسة سلفاً ، وذلك باستدراج مراكز القوّة في المجتمع ، بحيث حسب أنّه لو تمّ
(٢٠) كتاب الغيبة/الشيخ الطوسي : ٤٠٢/٣٧٧.