المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٦
وقد زاد بعضهم كذبا وجرأة وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما نهى عن الصلاة في معاطنها ومباركها لنفارها واختلاطها، أو لان الراعي يبول بينها! * قال علي: وهذا كذب مجرد على النبي صلى الله عليه وسلم، وإخبار عنه بالباطل وبما لم يقله عليه السلام قط، ولو أطلق مثل هذا على رجل من عرض الناس لكان إثما وفسقا، فكيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ولو أنه عليه السلام أراد ما ذكروا لبينه * ثم هبك أنه كما قالوا ومعاذ الله من ذلك فان النهي والتحريم بذلك باقي كما. كان، فكيف يستحلون أن يصححوا النهى ويدعوا أنه لعلة يذكرونها: ثم يبيحون ما صح النهي عنه؟! هذا أمر ما ندري كيف هو؟ ونعوذ بالله من البلاء * وقد روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاصى أنه قال: لا تصلوا في أعطان الابل * وسئل مالك عمن لم يجد إلا عطن ابل قال: لا يصلى فيه، قال فان بسط عليه ثوبا قال: لا أيضا [١] * وقال احمد بن حنبل: من صلى في عطن ابل أعاد أبدا * فان قيل: فانه قد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فانها خلقت من الشياطين) [٢] * قلنا نعم، هذا حق، ونحن نقر بهذا، ولا اعتراض في هذا على نهيه عليه السلام عن الصلاة في أعطانها * قال علي: والبعير والبعيران لا يشك في أن الموضع المتخذ لمبركهما أو لمبرك أحدهما داخل في جملة مبارك الابل وعطن الابل، وكل عطن فهو مبرك، وليس كل مبرك عطنا لان العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط، والمبرك أعم، لانه الموضع المتخذ لبروكها في كل حال. وإذا سقط عن العطن والمبرك اسم عطن ومبرك فليس عطنا ولا مبركا، فالصلاة فيه جائزة * فأما قولنا عالما كان أو غير عالم، فلانه أتي بالصلاة في غير موضعها ومكانها، والصلاة لا تصح إلا في زمان ومكان محدودين، فإذا لم تؤد في مكانها وزمانها فليس هي التي أمر الله
[١] في المدونة (ج ١ ص ٩٠) عن القاسم (سألت مالكا عن أعطان الابل في المناهل أيصلى فيها؟ قال: لا خير فيه)
[٢] هو في حديث البراء وحديث ابن مغفل *