المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٥
واعطان الابل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الابل [١] * وروينا ذلك ايضا باسناد في غاية الصحة عن البراء بن عازب وعبد الله بن مغفل كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [٢]، فهذا نقل تواتر يوجب يقين العلم * وقد احتج بعض من خالف هذا بأن قال: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (فضلت على الانبياء بست)، فذكر فيها (وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا فحيثما ادركتك الصلاة فصل) قال: وهذه فضيلة، والفضائل لا تنسخ، وذكر قول الله تعالى (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * فقلنا. ان هذا كله حق، وليس للنسخ ههنا مدخل والواجب استعمال كل هذه النصوص، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يستثنى الاقل من الاكثر، فتستعمل جميعا حينئذ ولا يحل لمسلم مخالفة شئ منها، ولا تغليب بعضها على بعض بهواه * ثم نسأل المخالف عن الصلاة في كنيف أو مزبلة ان كان شافعيا أو حنفيا، وعن صلاة الفريضة في جوف الكعبة ان كان مالكيا، وعن الصلاة في ارض مغصوبة ان كان من اصحابنا فانهم يمنعون من الصلاة في هذه المواضع ويختصونها من الآية المذكورة ومن الفضيلة المنصوصة. وقد قال تعالى وذكر مسجد الضرار: (لا تقم فيه أبدا) فحرم الصلاة فيه وهو من الارض، فصح أن الفضيلة باقية، وأن الارض كلها مسجد وطهور إلا مكانا نهى الله تعالى عن الصلاة فيه * فان قيل: قد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعيره والى بعيره، قلنا: نعم ومن منع هذا فهو مبطل، ومن صلى على بعيره أو إلى بعيره فلم يصل في عطن ابل، وعن هذا جاء النهى لا عن الصلاة إلى البعير *
[١] رواه البيهقى (ج ٢ ص ٤٤) بهذا اللفظ من طريق يزيد بن زريع عن هشام ابن حسان، واوله (إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا) الخ وكذلك رواه الدارمي (ص ١٦٨) عن محمد بن منهال عن يزيد بن زريع، ورواه ابن ماجه قريبا من اللفظ الذى هنا عن ابى بكر ابن ابى شيبة عن يزيد بن هرون، وعن بكر بن خلف عن يزيد بن زريع (ج ١ ص (١٣٤) ورواه الترمذي مختصرا وصححه (ج ١ ص ٧١)
[٢] حديث البراء رواه ابو داود (ج ١ ص ٧٣ - ١٨٤) والبيهقي. وحديث عبد الله بن مغفل رواه ابن ماجه. والبيهقي، ورواه الشافعي في الام ايضا (ج ١ ص ٨٠) والنسائي (ج ١ ص ١٢٠)