شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢ - الخطبة السابعة و العشرين يذكر فيها تنبيهات لطيفة على وجوب النفار عن الدنيا و عدم الركون إليها
من الإنسان.و لمّا كانت هذه الامور أبدا في التغيّر و التقضّى المقتضى لمفارقة الإنسان لها و بعدها عنه لا جرم حسن إطلاق اسم الإدبار على تقضّيها و بعدها استعارة تشبيها لها بالحيوان في إدباره.فقيل لكلّ أمر يكون الإنسان فيه من خير و شرّ إذا كان في أوّله:
أقبل،و إذا كان في آخره و بعد تقتضيّه:أدبر،و كذلك اسم الوداع فإنّ التقضّى لمّا استلزم المفارقة و كانت مفارقة الدنيا مستلزمة لأسف الإنسان عليها و وجده لها أشبه ذلك ما يفعله الإنسان في حقّ صديقه المرتحل عنه في وداعه له من الأسف على فراقه و الحزن و البكاء و نحوه.فاستعير اسم الوداع له،و كنّى بإعلامها بذلك عن الشعور الحاصل بمفارقتها من تقضّيها شيئا فشيئا،أو هو إعلام بلسان الحال .
الثاني:التنبيه على الإقبال على الآخرة و التيقّظ للاستعداد لها
بقوله: مجاز ألا و إنّ الآخرة-قد أقبلت-و أشرفت باطّلاع .و لمّا كانت الآخرة عبارة عن الدار الجامعة للأحوال الّتي يكون الناس عليها بعد الموت من سعادة و شقاوة و ألم و لذّة،و كان تقضّى العمر مقرّبا للوصول إلى تلك الدار و الحصول فيما يشمل عليه من خير أو شرّ حسن إطلاق لفظ الإقبال عليها مجازا .ثمّ نزّلها لشرفها على الدنيا في حال إقبالها منزلة حال عند سافل.فأسند إليها لفظ الإشراف.و لأجل إحصاء الأعمال الدنيويّة فيها منزله عالم مطّلع.
فأطلق عليها لفظ الاطّلاع،و يحتمل أن يكون إسناد الإشراف بكيفيّة الاطّلاع إلى ربّ الآخرة،و إنّما عبّر بالآخرة عنه تعظيما لجلاله كما يكنّى عن الرجل الفاضل بمجلسه و حضرته و يكون كيفيّة الاطّلاع قرينة ذلك .
الثالث:التنبيه على وجوب الاستعداد بذكر ما يستعدّ لأجله
و هو السباق ،و ذكر ما يستبق إليه و ما هو غاية المقصّر المتخلّف عن نداء اللّه.و ذلك قوله: كناية و إنّ اليوم المضمار.
إلى قوله: و الغاية النار .كنّى باليوم عن عمر الإنسان الباقية له و أخبر بالمضمار عنها.
و اعلم أنّه قد ورد المضمار و السباق مرفوعين و منصوبين:فأمّا رفع المضمار فلأنّه خبر أنّ.و اليوم اسمها،و إنّما اطلق اسم المضمار على تلك المدّة لما بينهما من المشابهة فإنّ الإنسان في مدّة عمره يستعدّ بالتقوى و يرتاض بالأعمال الصالحة لتكميل قوّته فيكون من السابقين إلى لقاء اللّه و المقرّبين في حضرته كما يستعدّ الفرس بالتضمير