الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٣
و من سنّتهم[١]: أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك على من علاها، و لا يجمعون بين عزّ علوّها و ذلة الملك.
و بمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ.
و كانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا؛ تعظيما للكعبة[٢]. و العرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة، و منه: كعبة نجران[٣]. و كان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزّى.
ثمّ البركة و الشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر و كثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلاّ أتاها، و أقام عندها، و شرب منها، و استنقع فيها[٤].
هذا مع شأن الفيل، و الطّير الأبابيل، و الحجارة السّجّيل، و أنّها لم تزل أمنا و لقاحا[٥]، لا تؤدّي إتاوة، و لا تدين للملوك، و لذلك سمّي البيت العتيق؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد.
و قال حرب بن أميّة في ذلك[٦]: [من الوافر]
أبا مطر هلمّ إلى صلاح # فتكفيك النّدامى من قريش
فتأمن وسطهم و تعيش فيهم # أبا مطر هديت لخير عيش
و تنزل بلدة عزّت قديما # و تأمن أن يزروك ربّ جيش
و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى [٧]و قال عزّ و جلّ، حكاية عن إبراهيم: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [٨].
[١]انظر الحاشية السابقة.
[٢]ثمار القلوب (٦٦) .
[٣]نجران: أقدم بلاد اليمن، و كانت لها كعبة تحجّ فخرّبت و بطلت. و ضرب بها المثل في الخراب و زوال الدولة. انظر ثمار القلوب (٧٥١) ، و معجم البلدان ٥/٢٦٨.
[٤]انظر ثمار القلوب (٨٠٤-٨٠٥) .
[٥]اللقاح: الذي ليس في سلطان ملك. الكامل ٢/٣٠٦ (طبعة المعارف) .
[٦]الأبيات في معجم البلدان ٣/٤١٩ (صلاح) ، و الكامل ٢/٣٠٦، و اللسان و التاج و أساس البلاغة و عمدة الحفاظ (صلح) ، و ما بنته العرب على فعال ١٨، و الأول في التنبيه و الإيضاح ١/٢٥٣، و هو بلا نسبة في المخصص ١٣/١٨١، و الجمهرة ٥٤٣.
[٧]١٢٥/البقرة: ٢.
[٨]٣٧/إبراهيم: ١٤.