الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٨
و اللّين، إلاّ أنّها إلى الشدّة أقرب، فلما كان البحر عميقا و الرّيح قويّة، و الأمواج عظيمة، و كان الشّراع لا يحطّ، و كان سيرهم مع الوتر و لم يكن مع القوس، و لا يعرفون الخبّ و المكلئ[١]، صارت الأيّام التي تسير فيها السّفن إلى الزّنج أقل.
٧٢٥-[سمك البرستوج]
قال: و البرستوج سمك يقطع أمواج الماء، و يسيح إلى البصرة من الزنج، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده و بحره. و ذلك أبعد ممّا بين البصرة إلى العليق المرار الكثيرة. و هم لا يصيدون من البحر فيما بين البصرة إلى الزنج من البرستوج شيئا إلاّ في إبان مجيئها إلينا و رجوعها عنّا، و إلاّ فالبحر منها فارغ خال.
فعامة الطير أعجب من حمامكم، و عامّة السّمك أعجب من الطّير.
٧٢٦-[هداية الطير و السمك]
و الطّير ذو جناحين، يحلّق في الهواء، فله سرعة الدّرك و بلوغ الغاية بالطيران، و له إدراك العالم بما فيه بعلامات و أمارات إذا هو حلّق في الهواء، و علا فوق كل شيء.
و السّمكة تسبّح في غمر البحر و الماء، و لا تسبّح في أعلاه. و نسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة من نهار لقتله و قال أبو العنبر: قال أبو نخيلة الراجز[٢]و ذكر السمك: [من الرجز]
تغمّه النشرة و النسيم # فلا يزال مغرقا يعوم
في البحر و البحر له تخميم # و أمّة الوالدة الرءوم
تلهمه جهلا و ما يريم
يقول: النشرة و النسيم الذي يحيي جميع الحيوانات، إذا طال عليه الخموم و اللّخن و العفن، و الرّطوبات الغليظة، فذلك يغمّ السّمك و يكربه، و أمّه التي ولدته تأكله؛ لأنّ السّمك يأكل بعضه بعضا، و هو في ذلك لا يريم هذا الموضع.
و قال رؤبة[٣]: [من الرجز]
و الحوت لا يكفيه شيء يلهمه # يصبح عطشان و في الماء فمه
[١]الخب: اضطراب أمواج البحر «القاموس: خبّ» المكلأ: المرفأ «القاموس: كلأ» .
[٢]الرجز في اللسان (نشر) ، و حياة الحيوان ١/٥٦٧.
[٣]الرجز لرؤبة في ديوانه ١٥٩، و الخزانة ٤/٤٥١، ٤٥٤، ٤٦٠، و الدرر ١/١١٤، و شرح شواهد المغني ١/٤٦٧، و المقاصد النحوية ١/١٣٩، و بلا نسبة في المخصص ١/١٣٦، و همع الهوامع ١/٤٠.