الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦٥
فسقط ذباب من تلك الذّبّان على أنفي، فطردته، فتحوّل إلى عيني فطردته، فعاد إلى موق عيني، فزدت في تحريك يديّ فتنحّى عني بقدر شدّة حركتي و ذبّي عن عيني- و لذبّان الكلإ و الغياض و الرّياض وقع ليس لغيرها-ثمّ عاد إليّ فعدت عليه ثمّ عاد إليّ فعدت بأشدّ من ذلك، فلما عاد استعملت كمّي فذببت به عن وجهي، ثمّ عاد، و أنا في ذلك أحثّ السّير، أؤمّل بسرعتي انقطاعه عنّي فلما عاد نزعت طيلساني[١]من عنقي فذببت به عنّي بدل كمّي؛ فلما عاود و لم أجد له حيلة استعملت العدو، فعدوت منه شوطا تامّا لم أتكلف مثله مذ كنت صبيّا، فتلقّاني الأندلسيّ فقال لي:
ما لك يا أبا عثمان!هل من حادثة؟قلت: نعم أكبر الحوادث، أريد أن أخرج من موضع للذّبّان عليّ فيه سلطان!فضحك حتى جلس. و انقطع عني، و ما صدّقت بانقطاعه عنّي حتّى تباعد جدّا.
٧٩٦-[ذبّان العساكر]
و العساكر أبدا كثيرة الذّبّان. فإذا ارتحلوا لم ير المقيم بعد الظّاعن منها إلا اليسير.
و زعم بعض النّاس أنّهنّ يتبعن العساكر، و يسقطن على المتاع، و على جلال الدّواب، و أعجاز البراذين التي عليها أسبابها حتى تؤدّي إلى المنزل الآخر.
و قال المكّيّ: يتبعوننا ليؤذونا، ثمّ لا يركبون إلاّ أعناقنا و دوابّنا!
٧٩٧-[تخلّق الذّباب]
و يقول بعضهم: بل إنما يتخلّق من تلك العفونات و الأبخرة و الأنفاس، فإذا ذهبت فنيت مع ذهابها، و يزعمون أنّهم يعرفون ذلك بكثرتها في الجنائب، و بقلّتها في الشمائل.
قالوا: و ربّما سددنا فم الآنية التي فيها الشّراب بالصّمامة، فإذا نزعناها وجدنا هناك ذبابا صغارا.
و قال ذو الرّمّة[٣]: [من الطويل]
و أيقنّ أنّ القنع صارت نطافه # فراشا و أنّ البقل ذاو و يابس
[١]الطيلسان: ضرب من الأكسية، أصله فارسي «اللسان: طلس» .
[٢]انظر الفقرة (٨٠٣) .
[٣]ديوان ذي الرمة ١١٢١، و اللسان (فرش، قنع، ذوي) ، و التاج (فرش، قنع) ، و العين ١/١٧١، و التهذيب ١/٢٥٨، ١١/٣٤٦، ١٥/٤٣٨، و ديوان الأدب ١/١٨٨.