الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤٥
سبع. فإلاّ تكن له حرقة كحرق النار و ألم كألم الدّهق[١]، فلعلّ هناك من الكرب ما يكون موقعه من النّفس فوق ذلك.
و قد عمنا أنّ النّاس يسمّون الانتظار لوقع السيف على صليف[٢]العنق جهد البلاء؛ و ليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، و لا من شكل ألم الضرب بالعصا.
فافهم فهمك اللّه مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة و أصحاب الأحساس الصحيحة.
و لا تذهب في الأمور مذهب العامّة، و قد جعلك اللّه تعالى من الخاصة، فإنك مسئول عن هذه الفضيلة، لأنّها لم تجعل لعبا، و لم تترك هملا. و اصرف بغضك إلى مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلاّ و لا ذمّة، و لا مودة، و لا كتابا و لا سنّة. و كلما زادك اللّه عزّ و جلّ نعمة ازداد عليك حنقا، و لك بغضا. و فرّ كلّ الفرار و اهرب كلّ الهرب، و احترس كلّ الاحتراس، ممن لا يراقب اللّه عزّ و جلّ؛ فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن يكون لا يعرف ربّه مع ظهور آياته و دلالاته، و سبوغ آلائه، و تتابع نعمائه، و مع برهانات رسله، و بيان كتبه؛ و إمّا أن يكون به عارفا و بدينه موقنا، و عليه مجترئا، و بحرماته مستخفّا. فإن كان بحقّه جاهلا فهو بحقّك أجهل، و له أنكر. و إن كان به عارفا و عليه مجترئا فهو عليك أجرأ، و لحقوقك أضيع و لأياديك أكفر.
فأمّا خلق البعوضة و النّملة و الفراشة و الذّرّة و الذّبّان و الجعلان، و اليعاسيب و الجراد-فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، و تستخف بالآلة التي في هذا الذّرء[٣]؛ فربّت أمة أجلاها عن بلادها النمل، و نقلها عن مساقط رءوسها الذّرّ، و أهلكت بالفأر، و جردت بالجراد، و عذّبت بالبعوض، و أفسد عيشها الذّبّان، فهي جند إن أراد اللّه عزّ و جلّ أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم و تجبّرهم و عتوّهم؛ ليعرفوا أو ليعرف بهم أنّ كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر اللّه عزّ و جلّ. و فيها بعد معتبر لمن اعتبر، و موعظة لمن فكّر، و صلاج لمن استبصر، و بلوى و محنة، و عذاب و نقمة، و حجّة صادقة، و آية واضحة، و سبب إلى الصّبر و الفكرة. و هما جماع الخير في باب المعرفة و الاستبانة، و في باب الأجر و عظم المثوبة.
[١]الدهق: خشبتان يغمز بهما الساق «القاموس: دهق» .
[٢]صليف العنق: عرضه «القاموس: صلف» .
[٣]الذرء: النسل و الخلق «القاموس: ذرأ» . ـ