الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١٤
يحرّك الرّجل اليمنى-و هو أقرب إليها و أشبه بها-حتّى يحرّك اليد اليسرى. و هذا كثير.
و في طريق أخرى فقد يقال: إنّ كلّ إنسان فإنما ركبته في رجله، و جميع ذوات الأربع فإنّما ركبها في أيديها. و كلّ شيء ذي كفّ و بنان كالإنسان، و القرد، و الأسد، و الضّبّ، و الدّب، فكفّه في يده. و الطّائر كفّه في رجله.
٧٠٣-[غرائب تصرفات بعض الناس]
١-[استعمال الإنسان رجليه ما كان يعمله بيديه]
و ما رأيت أحدا ليس له يد إلاّ و هو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، و ما أقف على شيء من عمل الأيدي إلاّ و أنا قد رأيت قوما يتكلّفونه بأرجلهم.
و لقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة[١]نبيذ في قنانيّ رطليّات و فقّاعيّات فراهنوه، و أزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في خبرهم، فزعموا أنّه وفى و زاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم «زاد» قالوا: هو أنّه لو صبّ من رأس الدّستيجة حوالي أفواه القنانيّ كما يعجز عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. و لقد فرّغ ما فيها في جميع القناني فما ضيّع أوقيّة واحدة.
٢-[قيام بعض الناس بعمل دقيق في الظلام]
و خبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه، أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح، و يفرغ قربة في قنانيّ فلا يصبّ إستارا[٢]واحدا فعله.
و لو حكى لي الحزاميّ هذا الصّنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان يعجبني منه أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك و هو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله و هو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمّض عينيه فهو عندي عجب، و إن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السّنّور و الفأر، فإنّ هذا عندي عجب آخر و غرائب الدّنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، و كان له في العلم أصل، و كان بينه و بين التبيّن نسب.
[١]الدستيج: آنية تحول باليد، معرب دستي. «القاموس: دستج» .
[٢]الإستار: من الأوزان يساوي أربعة مثاقيل و نصف «القاموس: ستر» .