الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٩
التبعيد و التقريب، و من طريق الظّنون و التجريب، أو من طريق أن يقع ذلك اتفاقا، كما صنع النّاطف[١]الساقط من يد الأجير في مذاب الصّفر[٢]حتى أعطاه ذلك اللّون، و جلب ذلك النّفع، ثم إنّ الرّجال دبرته و زادت و نقصت، حتى صار شبها ذهبيّا. هذا مع النّوشاذر المولّد من الحجارة السّود.
فلو قلتم: إنّ ذلك قائم الجواز في العقل مطّرد في الرّأي، غير مستحيل في النّظر. و لكنّا وجدنا العالم بما فيه من النّاس منذ كانا فإنّ النّاس يلتمسون هذا و ينتصبون له، و يكلفون به. فلو كان هذا الأمر يجيء من وجه الجمع و التوليد و التركيب و التجريب، أو من وجه الاتفاق، لقد كان ينبغي أن يكون ذلك قد ظهر من ألوف سنين و ألوف؛ إذ كان هذا المقدار أقلّ ما تؤرّخ به الأمم، و لكان هذا مقبولا غير مردود. و على أنّه لم يتبيّن لنا منه أنّه يستحيل أن يكون الذّهب إلاّ من حيث وجد. و ليس قرب كون الشيء في الوهم بموجب لكونه، و لا بعده في الوهم بموجب لامتناعه.
و لو أنّ قائلا قال: إنّ هذا الأمر إذ قد يحتاج إلى أن تتهيّأ له طباع الأرض، و طباع الماء، و طباع الهواء، و طباع النار، و مقادير حركات الفلك، و مقدار من طول الزمان.
فمتى لم تجتمع هذه الخصال و تكمل هذه الأمور لم يتمّ خلق الذّهب. و كذلك قد يستقيم أن يكون قد تهيأ لواحد أن يجمع بين مائتي شكل من الجواهر، فمزجها على مقادير، و طبخها على مقادير، و أغبّها مقدارا من الزمان، و قابلت مقدارا من حركات الأجرام السماويّة، و صادفت العالم بما فيه على هيئة، و كان بعض ما جرى على يده اتفاقا و بعضه قصدا، فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة آلاف سنة مرّة، ثمّ أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر على أمثال مقادير طبائع تلك الجواهر، و لم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرّة، و أخطأ ما كان وقع له اتّفاقا، و لم يقابل من الفلك مثل تلك الحركات، و لا من العالم مثل تلك الهيئة، فلم يعد له ذلك.
فإن قال لنا هذا القول قائل و قال: بيّنوا لي موضع إحالته، و لا تحتجّوا بتباعد اجتماع الأمور به، فإنّا نقر لكم بتباعدها. هل كان عندنا في ذلك قول مقنع، و الدّليل الذي تثلج به الصّدور؟!و هل عندنا في استطاعة النّاس أن يولّدوا مثل ذلك، إلاّ بأن [١]الناطف: ضرب من الحلوى، و يسمى القبّيط، لأنه يتنطّف قبل استضرابه، أي يقطر قبل خثورته.
«اللسان: نطف» .
[٢]الصفر: النحاس أو الذهب. «القاموس: صفر» .