الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٤
و ذكر محمد بن الجهم-فيما خبّرني عنه بعض الثقات-أنه قال لهم ذات يوم: هل تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذّباب؟قالوا: لا.
قال: بلى، إنّها تأكل البعوض و تصيده و تلقطه و تفنيه: و ذلك أنّي كنت أريد القائلة[١]، فأمرت بإخراج الذّباب و طرح السّتر و إغلاق الباب قبل ذلك بساعة. فإذا خرجن حصل في البيت البعوض، في سلطان البعوض و موضع قوّته. فكنت أدخل إلى القائلة[١]فيأكلني البعوض أكلا شديدا. فأتيت ذات يوم المنزل في وقت القائلة[١]، فإذا ذلك البيت مفتوح، و السّتر مرفوع، و قد كان الغلمان أغفلوا ذلك في يومهم، فلما اضطجعت للقائلة لم أجد من البعوض شيئا و قد كان غضبي اشتدّ على الغلمان، فنمت في عافية. فما كان من الغد عادوا إلى إغلاق الباب و إخراج الذّباب، فدخلت ألتمس القائلة[١]، فإذا البعوض كثير. ثم أغفلوا إغلاق الباب يوما آخر، فلما رأيته مفتوحا شتمتهم فلمّا صرت إلى القائلة[١]لم أجد بعوضة واحدة، فقلت في نفسي عند ذلك: أراني قد نمت في يومي الإغفال و التّضييع و امتنع منّي النّوم في أيّام التحفّظ و الاحتراس. فلم لا أجرّب ترك إغلاق الباب في يومي هذا. فإن نمت ثلاثة أيام لا ألقى من البعوض أذى مع فتح الباب، علمت أنّ الصّواب في الجمع بين الذّبان و بين البعوض؛ فإنّ الذّبّان هي التي تفنيه، و أنّ صلاح أمرنا في تقريب ما كنّا نباعد.
ففعلت ذلك، فإذا الأمر قد تمّ. فصرنا إذا أردنا إخراج الذّبّان أخرجناها بأيسر حيلة، و إذا أردنا إفناء البعوض أفنيناها على أيدي الذّبّان بأيسر حيلة.
فهاتان خصلتان من مناقب الذّبّان.
٧٧٦-[طبّ القوابل و العجائز]
و كان محمد بن الجهم يقول[٢]: لا تتهاونوا بكثير ممّا ترون من علاج القوابل و العجائز، فإنّ كثيرا من ذلك إنما وقع إليهنّ من قدماء الأطباء؛ كالذّبان يلقى في الإثمد و يسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر، و نفاذ النظر، و في تشديد مراكز شعر الأشفار[٣]في حافات الجفون.
[١]القائلة: النوم في نصف النهار «القاموس: قيل» .
[٢]ورد الخبر في عيون الأخبار ٢/١٠٤، و العقد الفريد ٦/٢٤٥.
[٣]الأشفار: جمع شفر، و هو أصل منبت الشعر في الجفن «القاموس: شفر» .