الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٦
عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا و لا كثيرا، و لا له عليّ شيء!قال: أصلحك اللّه تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!
٣٣-[أمنية الجرّار و الغزّال]
قال[١]: و قلت لأبي عتّاب الجرّار: أ لا ترى عبد العزيز الغزّال و ما يتكلم به في قصصه؟قال: و أيّ شيء قاله؟قلت: قال: ليت اللّه تعالى لم يكن خلقني و أنا السّاعة أعور!قال أبو عتّاب: و قد قصّر في القول، و أساء في التمني. و لكنّي أقول: ليت اللّه تعالى لم يكن خلقني و أنا الساعة أعمى مقطوع اليدين و الرجلين!
٣٤-[تعزية طريفة لأبي عتّاب الجرار]
[٢] و دخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب و قد كفّ بصره، و الناس يعزّونه، فمثل بين يديه، و كان كالجمل المحجوم[٣]، و له صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوأنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ اللّه تعالى قد قطع يديك و رجليك، و دقّ ظهرك، و أدمى ضلعك!.
٣٥-[داود بن المعتمر و بعض النساء]
و بينما داود بن المعتمر الصّبيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام و حسن، و عينان عجيبتان، و عليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، و لا ينجيك منّي الجحود، و إنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، و أي شيء قلت لها-و علمت أنّه سيأتي بآبدة. و كان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها[٤]: لو لا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.
قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي و الطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الذي يطمع في النساء فإنا للّه و إنا إليه راجعون! و تبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، و دلّها على المنزل [١]البيان و التبيين ٢/٣١٧-٣١٨.
[٢]البرصان ٣٤، و عيون الأخبار ٢/٤٨، و العقد الفريد ٣/٣٠٩.
[٣]الحجام: شيء يجعل في فم البعير أو خطمه لئلا يعض. «القاموس: حجم» .
[٤]عيون الأخبار ٢/٥١.