الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٩٤
٦٧٦-[بلاهة الحمام]
قال صاحب الدّيك: و كيف يكون للحمام من المعرفة و الفطنة ما تذكرون، و قد جاء في الأثر[١]: «كونوا بلها كالحمام» ! و قال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة» [٢]، و ممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص[٣]: [من مجزوء الكامل]
عيّوا بأمرهم كما # عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من # نشم و آخر من ثمامه
فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، و إحكامها لصنعة عشاشها و أفاحيصها.
و إن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي و البرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. و عبيد لم يخصّ حماما دون حمام.
٦٧٧-[رغبة عثمان في ذبح الحمام]
و حدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان-رضي اللّه تعالى عنه-أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لو لا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، و لكن قصّوهنّ» . فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، و يلعب بهنّ من الفتيان و الأحداث و الشّطّار، و أصحاب المراهنة و القمار، و الذين يتشرّفون على حرم الناس و الجيران، و يختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، و يرمون بالجلاهق[٤]و ما أكثر من قد فقأ عينا و هشم أنفا، و هتم فما، و هو لا يدري ما يصنع، و لا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ و يعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل و لا قود و لا قصاص و لا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.
[١]ورد الأثر في البيان و التبيين ٢/٢٤٢. و عيون الأخبار ٢/٧٢، و محاضرات الراغب ٢/٣٠٠.
[٢]مجمع الأمثال ١/٢٥٥، و جمهرة الأمثال ١/٤٣١، و المستقصى ١/٩٩، و أمثال ابن سلام ٣٦٦، و ثمار القلوب (٦٨٢) .
[٣]ديوان عبيد ابن الأبرص ١٢٦، و عيون الأخبار ٢/٧٢، و هما لسلامة بن جندل في ديوانه ٢٤٨، و النظام الغريب ٢٠٨.
[٤]الجلاهق كلمة فارسية تعنى الطين المدور الذي يرمى به عن القوس، انظر المعرب للجواليقي ٤٢.