الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٤
و قال مثنّى بن زهير[١]: لم أر قطّ في رجل و امرأة إلاّ و قد رأيت مثله في الذّكر و الأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلاّ ذكرها، كالمرأة لا تريد إلاّ زوجها و سيّدها، و رأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، و رأيت امرأة لا تمنع يد لامس، و رأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد و شدة طلب، و رأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، و رأيت من النساء كذلك، و رأيت حمامة لها زوج و هي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، و رأيت مثل ذلك من النساء، و رأيتها تزيف لغير ذكرها و ذكرها يراها، و رأيتها لا تفعل ذلك إلاّ و ذكرها يطير أو يحضن، و رأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، و رأيت الحمامة تقمط الحمامة، و رأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، و رأيت أخرى تقمط الإناث فقط، و لا تدع أنثى تقمطها.
قال: و رأيت ذكرا يقمط الذّكورة و تقمطه؛ و رأيت ذكرا يقمطها و لا يدعها تقمطه، و رأيت أنثى تزيف للذّكورة و لا تدع شيئا منها يقمطها.
قال: و رأيت هذه الأصناف كلّها في السّحاقات من المذكّرات و المؤنثات، و في الرّجال الحلقيّين[٢]و اللّوطيّين. و في الرجال من لا يريد النساء، و في النساء من لا يريد الرجال.
قال: و امتنعت عليّ خصلة، فو اللّه لقد رأيت من النساء من تزني أبدا و تساحق أبدا و لا تتزوج أبدا، و من الرجال من يلوط أبدا، و يزني أبدا و لا يتزوّج، و رأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي و لا يزاوج. و رأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر و أنثى، و تقمط الذكورة و الإناث، و لا تزاوج. و رأيتها تزاوج و لا تبيض، و تبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج و هي عاقر، و كالمرأة تلد و تكون خرقاء ورهاء. و يعرض لها الغلظة و العقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب.
و أمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام و لربّما ولدت من زوجها، فيكون عطفها و تحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلاّ أن تزني أو تقحب فكأنّ اللّه لم يضرب بينها و بين ذلك الولد بشبكة رحم، و كأنّها لم تلده.
قال مثنّى بن زهير: و رأيت ذكرا له أنثيان و قد باضتا منه، و هو يحضن مع هذه [١]انظر الخبر في عيون الأخبار ٢/٩١، و العقد الفريد ٦/٢٤٠، و محاضرات الأدباء ٤/٦٦٠.
[٢]الحلقي: من ألفاظ المولدين، و تعني: الذي فسد عضوه فانعكس ميل شهوته. انظر شفاء الغليل ٧٠.