الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٨٠
و قد يعتري سباع الطير شبيه بالقيء، و هو الذي يسمّونه «الزّمّج» [١]. و بعض السّمك يقيء قيئا ذريعا، كالبال[٢]، فإنّه ربّما دسع الدّسعة، فتلقى بعض المراكب، فيلقون من ذلك شدّة. و الناقة الضجور ربّما دسعت بجرّتها في وجه الذي يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشدّ الأذى. و معلوم أنّها تفعل ذلك على عمد.
فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، و لذوات الكروش من الظّلف و الخفّ في ذلك مذهب، و لذوات الأنياب في ذلك مذهب، و للسّمك و التمساح الذي يشبه السّمك في ذلك مذهب.
و يزعمون أن جوف التمساح إن هو إلاّ معاليق فيه، و أنه في صورة الجراب، مفتوح الفم، مسدود الدّبر، و لم أحقّ ذلك، و ما أكثر من لا يعرف الحال فيه.
٦٤٣-[القوة التناسلية لدى الحمام]
ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، و بعد أن نزعت الرحمة منه، و ذلك أنّه يبتدئ الذّكر الدّعاء و الطرد، و تبتدئ الأنثى بالتأتّي و الاستدعاء، ثمّ تزيف و تتشكّل، ثمّ تمكّن و تمنع، و تجيب و تصدف بوجهها، ثم يتعاشقان و يتطاوعان، و يحدث لهما من التغزّل و التفتّل و من السّوف و القبل، و من المصّ و الرّشف، و من التنفّخ و التنفّج، و من الخيلاء و الكبرياء، و من إعطاء التقبيل حقه، و من إدخال الفم في الفم، و ذلك من التطاعم، و هي المطاعمة. و قال الشاعر[٣]: [من البسيط]
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها # إلاّ تطاول غصن الجيد بالجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمة # مطوّقان أصاخا بعد تغريد
هذا مع إرسالها جناحيها و كفّيها على الأرض، و مع تدرعها و تبعّلها و مع تصاوله و تطاوله، و مع تنفّجه و تنفّخه، مع ما يعتريه مع الحكة و التفلّي و التنفّش حتّى تراه و قد رمى فيه بمثله.
ثمّ الذي ترى من كسحه بذنبه، و ارتفاعه بصدره، و من ضربه بجناحه، و من [١]الزمج: طائر دون العقاب حمرته غالبة، يصيد به الملوك الطير. حياة الحيوان ١/٥٣٨.
[٢]البال: حوت عظيم، جناحه كالشراع الظيم. و أهل المراكب يخافون منها أعظم خوف. حياة الحيوان ١/١٥٩.
[٣]البيتان بلا نسبة في اللسان و التاج (طعم) ، و الثاني في أساس البلاغة (طعم) ، و التهذيب ٢/١٩٢، و تقدم البيتان في الفقرة (٥٦٦) ، مع بيت ثالث.