الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٢
و الاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز و الجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة على الّذي كتبته لك في باب الإيجاز و ترك الفضول. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنّة:
لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَ لاََ يُنْزِفُونَ [١]و هاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدّنيا.
و قوله عزّ و جل حين ذكر فاكهة أهل الجنّة فقال: لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [٢] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني.
و هذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور.
٥٨٨-[رأي أعرابي في تثمير المال]
و قال أعرابي من بني أسد: [من الطويل]
يقولون ثمّر ما استطعت، و إنما # لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
فكله و أطعمه و خالسه وارثا # شحيحا و دهرا تعتريك نوائبه
٥٨٩-[شعر في الهجاء]
و قال رجل من بني عبس[٣]: [من البسيط]
أبلغ قرادا لقد حكّمتم رجلا # لا يعرف النّصف بل قد جاوز النّصفا
كان امرأ ثائرا و الحقّ يغلبه # فجانب السّهل سهل الحقّ و اعتسفا
و ذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم # و أنّ أنفكم لا يعرف الأنفا
إنّ المحكّم ما لم يرتقب حسبا # أو يرهب السّيف أو حدّ القنا جنفا[٤]
من لاذ بالسّيف لاقى قرضه عجبا # موتا على عجل أو عاش منتصفا
بيعوا الحياة بها إذ سام طالبها # إمّا رواحا و إما متة أنفا
ليس امرؤ خالدا و الموت يطلبه # هاتيك أجساد عاد أصبحت جيفا
أبلغ لديك أبا كعب مغلغلة # أنّ الذي بيننا قد مات أو دنفا
[١]١٩/الواقعة: ٥٦.
[٢]٣٣/الواقعة: ٥٦.
[٣]البيتان الرابع و الخامس في البيان و التبيين ١/٣١١.
[٤]الجنف: الميل و الجور. «القاموس: جنف» .