الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤
بنوادر من ضروب الشّعر، و ضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، و من شكل إلى شكل؛ فإنّي رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة و الأغانيّ الحسنة و الأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. و ما ذلك إلاّ في طريق الراحة، التي إذا طالت أورثت الغفلة.
و إذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السّيرة، كان هذا التّدبير لما طال و كثر أصلح، و ما غايتنا من ذلك كلّه إلاّ أن تستفيدوا خيرا.
و قال أبو الدّرداء: إنّي لأسجمّ نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها[١]!
٥٥٩-[طائفة من النوادر]
١-[ادّعاء الكرخيّ الفقه]
فمن الاحتجاجات الطيّبة، و من العلل الملهية، ما حدّثني به ابن المديني قال[٢]: تحوّل أبو عبد اللّه الكرخيّ اللّحيانيّ إلى الحربيّة[٣]فادّعى أنّه فقيه، و ظنّ أنّ ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته و سمته.
قال: فألقى على باب داره البواريّ، و جلس و جلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللّه!رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أيّ شيء يصنع؟!قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟
٢-[جواب المروزيّ]
و حدّثني شمعون الطبيب قال[٤]: كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد اللّه المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد اللّه مذ كم دخلت العراق؟قال: منذ عشرين سنة، و أنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد اللّه، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين! [١]ورد هذا الخبر في البخلاء ١٨٧، و رسائل الجاحظ ٢/٩١، و نثر الدرر ٢/١٧٠، و انظر مثل هذا الخبر في أخبار الظراف ٢٦.
[٢]ورد هذا الخبر في البيان و التبيين ٢/٣٢١. ٣٢٢، و عيون الأخبار ٢/٥٤.
[٣]الحربية: محلة كبيرة مشهورة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد اللّه البلخي أحد قواد المنصور.
(معجم البلدان ٢/٢٣٧) .
[٤]ورد هذا الخبر في البيان و التبيين ٢/٣١٩، و البخلاء ٢٢، و ربيع الأبرار ٢/١٠٠.