الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٥٧
٩٣٤-[من أعاجيب الخفاش]
و من أعاجيبه أنّه لا يطير في ضوء و لا في ظلمة. و هو طائر ضعيف قوى البصر، قليل شعاع العين الفاصل من النّاظر. و لذلك لا يظهر في الظّلمة، لأنّها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار قوى شعاع ناظره. و لا يظهر نهارا، لأنّ بصره لضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار. و لأنّ الشيء المتلألئ ضارّ لعيون الموصوفين بحدّة البصر، و لأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله و ذهابه، يكون رادعا لشعاع ناظره، و مفرّقا له. فهو لا يبصر ليلا و لا نهارا. فلما علم ذلك و احتاج إلى الكسب و الطّعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون غامرا قاهرا، و عاليا غالبا. و لا من الضّياء ما يكون معشيا رادعا، و مفرّقا قامعا. فالتمس ذلك في وقت غروب القرص، و بقيّة الشّفق، لأنّه وقت هيج البعوض و أشباه البعوض، و ارتفاعها في الهواء، و وقت انتشارها في طلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم، و طعمه دماء الحيوان، و تخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه.
و هذا أيضا مما جعل اللّه في الخفافيش من الأعاجيب.
٩٣٥-[البائضة و الوالدة]
[١] و يزعمون أن السّك[٢]الآذان و الممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيض بيضا، و أنّ كلّ أشرف[٣]الآذان فهو يلد و لا يبيض. و لا ندري لم كان الحيوان إذا كان أشرف الآذان ولد، و إذا كان ممسوحا باض.
و لآذان الخفافيش حجم ظاهر، و شخوص بيّن. و هي و إن كانت من الطير فإنّ هذا لها، و هي تحبل و تلد، و تحيض، و ترضع.
٩٣٦-[ما يحيض من الحيوان]
و الناس يتقزّزون من الأرانب و الضّباع، لمكان الحيض.
و قد زعم صاحب المنطق أنّ ذوات الأربع كلّها تحيض، على اختلاف في القلّة و الكثرة. و الزّمان، و الحمرة و الصفرة، و الرقّة و الغلظ. قال: و يبلغ من ضنّ أنثى [١]عيون الأخبار ٢/٨٨، و محاضرات الأدباء ٤/٦٧٦.
[٢]السّكك: صغر الأذن و لزوقها بالرأس و قلة إشرافها «القاموس: سكك» .
[٣]أذن شرفاء: طويلة. «القاموس: شرف» .