الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٩٠
مني غفلة لم يخطئ موق عيني. هذا و اللّه دأبه و دأبي دهرا معه. قلت له: إنّ شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعلّ الذي آذاك اليوم أن يكون غير الذي آذاك أمس، و لعلّ الذي آذاك أمس غير الذي آذاك أوّل من أمس، فقال: أعتق ما أملك إن لم أكن أعرفه بعينه منذ خمس عشرة سنة. فهذا هو الذي أضحكني.
٨٢٩-[قصة في سفاد الذباب]
و قال الخليل بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركب الخنزيرة عامّة نهاره، و رأيت الجمل يركب الناقة ساعة من نهاره. و كنت قبل ذلك أغبط العصفور و العصم-فإنّ الذّكر و إن كان سريع النّزول عن ظهر الأنثى فإنّه لسرعة العودة، و لكثرة العدد، كأنّه في معنى الخنزير و الجمل و حتّى رأيت الذّباب و فطنت له، فإذا هو يركب الذّبابة عامّة نهاره. فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السّفاد. قال: أمّا الذي رأت العينان فهذا حكمه. فإن كنت تريد أن تطيب نفسك بإنكار ما تعرف ممّا قسم اللّه عزّ و جلّ بين خلقه، من فضول اللّذّة، فدونك.
و يزعمون أنّ للورل[١]في ذلك ما ليس عند غيره.
٨٣٠-[قصّة آكل الذّبّان]
و أنشد ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قول السّيّد الحميريّ[٢]: [من الكامل]
أ ترى ضهاكا و ابنها و ابن ابنها # و أبا قحافة آكل الذّبان
كانوا يرون، و في الأمور عجائب # يأتي بهنّ تصرّف الأزمان
أنّ الخلافة في ذؤابة هاشم # فيهم تصير و هيبة السّلطان
و كان ابن داحة رافضيّا، و كان أبو عبيدة خارجيّا صفريا، فقال له: ما معناه في قوله: «آكل الذّبّان» ؟فقال: لأنّه كان يذبّ عن عطر ابن جدعان. قال: و متى احتاج العطّارون إلى المذابّ؟!قال: غلطت إنّما كان يذب عن حيسة ابن جدعان. قال:
فابن جدعان و هشام بن المغيرة، كان يحاس لأحدهما الحيسة[٣]على عدّة أنطاع[٤]، [١]الورل: دابة على خلقة الضب، إلا أنه أعظم منه، و ليس في الحيوان أكثر سفادا منه. حياة الحيوان ٢/٤١٧-٤١٨.
[٢]ديوان السيد الحميري ٤٤٩.
[٣]الحيس: تمر يخلط بسمن و أقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه. «القاموس: حيس» .
[٤]الأنطاع: جمع نطع، و هو بساط من الأديم. «القاموس: نطع» .