الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٨٣
٨٢٠-[أبو حكيم و ثمامة بن أشرس]
و سمعت أبا حكيم الكيمائي و هو يقول لثمامة بن أشرس: قلنا لكم إنّنا ندلكم على الإكسير، فاستثقلتم الغرم، و أردتم الغنم بلا غرم. و قلنا لكم: دعونا نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا، فأبيتم. و قلنا لكم: ما ترجون من هذه المسنّيات[١] التي تهدمها المدود[٢]، و تخرّبها المراديّ[٣]؟!نحن نعمل لكم مسنّيات[١]بنصف هذه المئونة، فتبقى لكم أبدا. ثم قولوا للمدود أن تجتهد جهدها، و للمراديّ أن تبلغ غايتها فأبيتم. و قولوا لي: الذّباب ما ترجون منها؟!و ما تشتهون من البعوض؟ و ما رغبتكم في الجرجس[٤]؟لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمئونة اليسيرة؟ و هو يقول هذا القول و أصحابنا يضحكون، و ابن سافري جالس يسمع.
فلما نزلنا أخذ بيده و مضى به إلى منزله، فغدّاه و كساه و سقاه، ثمّ قال له:
أحببت أن تخرج البعوض من داري. فأمّا الذّباب فإني أحتمله. قال: و لم تحتمل الأذى و قد أتاك اللّه بالفرج؟قال: فافعل. قال: لا بدّ لي من أن أخلط أدوية و أشتري أدوية قال: فكم تريد؟قال: أريد شيئا يسيرا. قال: و كم ذاك؟قال: خمسون دينارا.
قال: ويحك!خمسون يقال لها يسير؟!قال: أنت ليس تشتهي الرّاحة من قذر الذّبّان و لسع البعوض!ثمّ لبس نعليه و قام على رجليه. فقال له: اقعد. قال: إن قعدت قبل أن آخذها ثمّ اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به؛ فإنّي لست أدخّن هذه الدّخنة، إلاّ للذين إذا أمرتهم بإخراجهنّ أخرجوهن. و لا أكتمك ما أريد؛ إنّي لست أقصد إلاّ إلى العمّار[٥]. فما هو إلاّ أن سمع بذكر العمّار حتى ذهب عقله، و دعا له بالكيس و ذهب ليزن الدّنانير، فقال له: لا تشقّ على نفسك!هاتها بلا وزن عددا، و إنّما خاف أن تحدث حادثة، أو يقع شغل، فتفوت. فعدّها و هو زمع[٦]فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها و عدّها فوجد دنانيره تنقص، فبكر عليه يقتضيه الفضل، فضحك أبو حكيم حتّى كاد يموت، ثمّ قال: تسألني عن الفرع و قد استهلك الأصل؟!و لم يزل يختلف إليه و يدافعه حتّى قال له ثمامة: ويلك أ مجنون أنت؟!قد ذهب المال [١]المسنيات: جمع سانية و هي العرم، و العرم هي الأحباس تبنى في الأودية. «القاموس: سني، عرم» .
[٢]المدود: السّيول.
[٣]المرادي: جمع مردي كشرطي، و هو خشبة تدفع بها السفينة «القاموس: مرد» .
[٤]الجرجس: لغة في القرمص؛ و هو البعوض الصغار حياة الحيوان ١/٢٧٣.
[٥]عمّار البيوت: سكانها من الجن. (اللسان: عمر ٤/٦٠٧) .
[٦]الزمع: الدهش و الخوف. «القاموس: زمع» .