الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٨٠
يعرض هذا القول على العقول السليمة، و الأفهام التّامّة و تردّه إلى الرسل و الكتب؟! فإذا وجدنا هذه الأمور كلها نافية له، كان ذلك عندنا هو المقنع. و ليس الشأن فيما يظهر اللّسان من الشكّ فيه و التّجويز له، و لكن ليردّه إلى العقل؛ فإنّه سيجده منكرا و نافيا له، إذا كان العقل سليما من آفة المرض. و من آفة التخبيل.
٨١٤-[ضروب التخبيل]
و التخبيل ضروب: تخبيل من المرار، و تخبيل من الشّيطان، و تخبيل آخر كالرجل يعمد إلى قلب رطب لم يتوقّح[١]، و ذهن لم يستمرّ[٢]، فيحمله على الدقيق و هو بعد لا يفي بالجليل، و يتخطّى المقدّمات متسكعا[٣]بلا أمارة، فرجع حسيرا[٤] بلا يقين، و غبر زمانا لا يعرف إلاّ الشكوك و الخواطر الفاسدة، التي متى لاقت القلب على هذه الهيئة، كانت ثمرتها الحيرة، و القلب الذي يفسد في يوم لا يداوى في سنة، و البناء الذي ينقض في ساعة لا يبنى مثله في شهر.
٨١٥-[قولهم: هذا نبيذ يمنع جانبه]
ثم رجع بنا القول إلى ذكر الذّبّان
قيل لعلّويه كلب المطبخ: أيّ شيء معنى قولهم: «هذا نبيذ يمنع جانبه» ؟ قال: يريدون أن الذّبّان لا يدنو منه. و كان الرّقاشي حاضرا فأنشد قول ابن عبدل: [من الخفيف]
عشّش العنكبوت في قعر دنيّ # إنّ ذا من رزيّتي لعظيم
ليتني قد غمرت دني حتّى # أبصر العنكبوت فيه يعوم
غرقا لا يغيثه الدّهر إلاّ # زبد فوق رأسه مركوم[٥]
مخرجا كفّه ينادي ذبابا # أن أغثني فإنّني مغموم
قال: دعني فلن أطيق دنوّا # من شراب يشمّه المزكوم
قال: و الذّبّان يضرب به المثل في القذر و في استطابة النّتن، فإذا عجز الذّباب عن شمّ شيء فهو الذي لا يكون أنتن منه.
[١]وقح وقاحة: صلب. «القاموس: وقح» .
[٢]يستمر: يقوى، و منه يوم نحس مستمر: أي قوي. «القاموس: مرر» .
[٣]تسكع: تحير. «القاموس: سكع» .
[٤]حسر: كفرح و ضرب: أعيا، فاستحسر فهو حسير. «القاموس: حسر» .
[٥]الركم: جمع شيء فوق آخر حتى يصير ركاما مركوما. «القاموس: ركم» .