الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٨
و إذا عرفتم الجواهر و حظوظها من القوى، فعند ذلك فتعاطوا الإنكار و الإقرار، و إلاّ فكونوا في سبيل المتعلم، أو في سبيل من آثر الرّاحة ساعة على ما يورث كدّ التعلّم من راحة الأبد. قد يكون أن يجيء على جهة التوليد شيء يبعد في الوهم مجيئه، و يمتنع شيء هو أقرب في الوهم من غيره؛ لأنّ حقائق الأمور و مغيّبات الأشياء، لا تردّ إلى ظاهر الرّأي، و إنما يردّ إلى الرّأي ما دخل في باب الحزم و الإضاعة و ما هو أصوب و أقرب إلى نيل الحاجة. و ليس عند الرّأي علم بالنّجح و الإكداء؛ كنحو مجيء الزّجاج من الرّمل، و امتناع الشّبه[١]و الزئبق من أن يتحوّل في طبع الذّهب و الفضّة. و الزئبق أشبه بالفضّة المائعة من الرّمل بالزجاج الفرعونيّ. و الشّبه الدمشقي بالذهب الإبريز أشبه من الرّمل بفلق[٢]الزجاج النقيّ الخالص الصافي.
و من العجب أنّ الزّجاج-و هو مولّد-قد يجري مع الذهب في كثير مفاخر الذّهب؛ إذ كان لا يغيّر طبعه ماء و لا أرض؛ و الفضّة التي ليست بمولدة إذا دفنت زمانا غير طويل استحالت أرضا. فأمّا الحديد فإنّه في ذلك سريع غير بطيء.
و قد زعم ناس أنّ الفرق الذي بينهما إنما هو أنّ كلّ شيء له في العالم أصل و خميرة، لم يكن كالشيء الذي يكتسب و يجتلب و يلفّق و يلزّق، و أن الذّهب لا يخلو من أن يكون ركنا من الأركان قائما منذ كان الهواء و الماء و النار و الأرض. فإن كان كذلك فهو أبعد شيء من أن يولّد النّاس مثله. و إن كان الذّهب إنما حدث في عمق الأرض، بأن يصادف من الأرض جوهرا. و من الهواء الذي في خلالها جوهرا، و من الماء الملابس لها جوهرا، و من النار المحصورة فيها جوهرا، مع مقدار من طول مرور الزمان، و مقدار من مقابلات البروج. فإن كان الذّهب إنما هو نتيجة هذه الجواهر على هذه الأسباب، فواجب ألاّ يكون الذهب أبدا إلاّ كذلك.
فيقال لهؤلاء: أ رأيتم الفأرة التي خلقت من صلب جرذ و رحم فأرة، و زعمتم أنّها فأرة على مقابلة من الأمور السّماويّة و الهوائيّة و الأرضية و كانت نتيجة هذه الخصال، مع استيفاء هذه الصّفات؟ألسنا قد وجدنا فأرة أخرى تهيّأ لها من أرحام الأرضين، و من حضانة الهواء، و من تلقيح الماء، و من مقابلات السماويّات و الهوائيّات. فالزّمان أصار جميع ذلك سببا لفأرة أخرى مثلها. و كذلك كلّ ما عددناه فمن أين يستحيل أن يخلط الإنسان بين مائيّة طبيعية و مائيّة جوهر؟إمّا من طريق [١]الشّبه: النحاس الأصفر. «القاموس: شبه» .
[٢]فلق: جمع فلقة، و هي القطعة. «القاموس: فلق» .