الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٩
قال: فإذا كان الإنسان يستقذر الذّبّان في مرقه و في طعامه هذا الاستقذار، و يستقذر القمل مع محلّه من القرابة و النّسبة هذا الاستقذار فمعلوم أنّ ذلك لم يكن إلاّ لما خص به من القذر. و إلاّ فبدون هذه القرابة و هذه الملابسة، تطيب الأنفس عن كثير من المحبوب.
٧٨٤-[لجاج الذّباب]
قال: و في الذّبّان خبر آخر: و ذلك أنّهنّ ربّما تعوّدن المبيت على خوص فسيلة و أقلابها[١]من فسائل الدّور، أو شجرة، أو كلّة[٢]، أو باب، أو سقف بيت، فيطردن إذا اجتمعن لوقتهنّ عند المساء ليلتين أو ثلاث ليال، فيتفرقن أو يهجرن ذلك المكان في المستقبل، و إن كان ذلك المكان قريبا، و هو لهنّ معرّض، ثمّ لا يدعن أن يلتمسن مبيتا غيره. و لا يعرض لهنّ من اللّجاج في مثل ذلك، مثل الذي يعرض لهنّ من كثرة الرّجوع إلى العينين و الأنف بعد الذّبّ و الطّرد، و بعد الاجتهاد في ذلك.
٧٨٥-[أذى الذباب و نحوها]
و قال محمّد بن حرب: ينبغي أن يكون الذّبّان سمّا ناقعا؛ لأنّ كلّ شيء يشتدّ أذاه باللّمس من غيره، فهو بالمداخلة و الملابسة أجدر أن يؤذي. و هذه الأفاعي و الثعابين و الجرّارات[٣]قد تمسّ جلودها ناس فلا تضرّهم إلاّ بأن تلابس إبرة العقرب و ناب الأفعى الدّم و نحن قد نجد الرّجل يدخل في خرق أنفه ذباب، فيجول في أوله من غير أن يجاوز ما حاذى روثة أنفه و أرنبته[٤]فيخرجه الإنسان من جوف أنفه بالنّفخ و شدة النّفس و لم يكن له هنالك لبث، و لا كان منه عضّ، و ليس إلا ما مسّ بقوائمه و أطراف جناحيه، فيقع في ذلك المكان من أنفه، من الدّغدغة و الأكال و الحكّة، ما لا يصنع الخردل[٥]و بصل النّرجس، و لبن التّين. فليس يكون ذلك منه إلاّ و في طبعه من مضادّة طباع الإنسان ما لا يبلغه مضادّة شيء و إن أفرط.
قال: و ليس الشّأن في أنّه لم ينخس، و لم يجرح، و لم يخز و لم يعضّ، و لم [١]الأقلاب: جمع قلب؛ و هو شحمة النخلة «القاموس: قلب» .
[٢]الكلّة: ستر رقيق يتوقى به من البعوض «القاموس: كلل» .
[٣]الجرارة-كجبّانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .
[٤]روثة الأنف: طرف الأرنبة «القاموس: روث» ، أرنبة الأنف: طرفه «القاموس: رنب» .
[٥]الخردل: حب شجر معروف، قالع للبلغم مليّن هاضم، نافع طلاؤه للنقرس و النسا و البرص «القاموس: خردل» .