الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٧
٧٨٢-[معارف في الذّباب]
ثمّ رجع بنا القول إلى صلة كلامنا في الإخبار عن الذّبّان.
فأمّا سكّان بلاد الهند فإنّهم لا يطبخون قدرا، و لا يعملون حلوى و لا يكادون يأكلون إلاّ ليلا؛ لما يتهافت من الذّبّان في طعامهم. و هذا يدل على عفن التّربة و لخن الهواء.
و للذّبّان يعاسيب و جحلان[١]، و لكن ليس لها قائد و لا أمير. و لو كانت هذه الأصناف التي يحرس بعضها بعضا. و تتّخذ رئيسا يدبّرها و يحوطها، إنما أخرج ذلك منها العقل دون الطّبع، و كالشيء يخصّ به البعض دون الكلّ لكان الذرّ و النّمل أحقّ بذلك من الكراكيّ[٢]و الغرانيق[٢]و الثّيران، و لكان الفيل أحقّ به من البعير؛ لأنه ليس للذّرّ قائد و لا حارس، و لا يعسوب يجمعها و يحميها بعض المواضع، و يوردها بعضا.
و كلّ قائد فهو يعسوب ذلك الجنس المقود. و هذا الاسم مستعار من فحل النّحل و أمير العسّالات.
و قال الشاعر و هو يعني الثّور: [من الطويل]
كما ضرب اليعسوب إذ عاف باقر # و ما ذنبه إذ عافت الماء باقر[٣]
و كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، في صلاح الزّمان و فساده: «فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدّين بذنبه» [٤].
و على ذلك المعنى قال حين مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا يوم الجمل: «لهفي عليك يعسوب قريش!جدعت أنفي و شفيت نفسي!» [٥].
قالوا: و على هذا المعنى قيل: «يعسوب الطّفاوة» .
٧٨٣-[أقذر الحيوان]
و زعم بعض الحكماء أنّه لا ينبغي أن يكون في الأرض شيء من الأشياء أنتن [١]في القاموس: (الجحل: اليعسوب العظيم و الجعل. جمع جحول و جحلان) .
[٢]الكراكي: جمع الكركي، و هو طائر كبير، ذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق، و هو أغبر؛ طويل الساقين. حياة الحيوان ٢/٢٤٤.
[٣]تقدم البيت في مقدمة لمؤلف في الجزء الأول، و نسبه إلى الهيبان الفهمي ص ١٨.
[٤]الحديث في النهاية ٣/٢٣٤، و أساس البلاغة (عسب) .
[٥]الحديث في النهاية ٣/٢٣٥، و أساس البلاغة (عسب) ، و مجالس ثعلب ١٢٩.