الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤١
٧٥٠-[حمام واسط]
و أما أبو أحمد التمار المتكلم، فإنّه شاهد صاحب حمام في يوم مجيء حمامه من واسط، و كانت واسط يومئذ الغاية، فرآه كلما أقبل طائر من حمامه نعر[١]و رقص، فقال له: و اللّه إني لأرى منك عجبا؛ أراك تفرح بأن جاءك حمام من واسط، و هو ذلك الذي كان، و هو الذي جاء. و هو الذي اهتدى؛ و أنت لم تجئ و لم تهتد؛ و حين جاء من واسط، لم يجئ معه بشيء من خبر أبي حمزة، و لا بشيء من مقاريض[٢]واسط، و بزيون[٣]واسط، و لا جاء معه أيضا بشيء من خطميّ[٤]، و لا بشيء من جوز و لا بشيء من زبيب. و قد مرّ بكسكر[٥]فأين كان عن جداء كسكر، و دجاج كسكر، و سمك كسكر، و صحناة[٦]كسكر، و ربيثاء كسكر و شعير كسكر؟!و ذهب صحيحا نشيطا، و رجع مريضا كسلان، و قد غرمت ما غرمت!!فقل لي: ما وجه فرحك؟ فقال: فرحي أنّي أرجو أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: و من يشتريه منك بخمسين دينارا؟قال: فلان، و فلان. فقام و مضى إلى فلان فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه حماما جاء من واسط بخمسين دينارا؟قال: صدق. قال: فقل لي لم تشتريه بخمسين دينارا؟قال: لأنّه جاء من واسط. قال: فإذا جاء من واسط فلم تشتريه بخمسين دينارا؟قال: لأنّي أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير، و البيضة بدينارين. قال:
و من يشتري منك؟قال: مثل فلان و فلان. فأخذ نعله و مضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه فرخا من طائر جاء من واسط بثلاثة دنانير، و البيضة بدينارين.
قال: صدق، قال: فقل لي: لم تشتري فرخة بثلاثة دنانير؟قال: لأنّ أباه جاء من واسط. قال: و لم تشتريه بثلاثة دنانير إذا جاء أبوه من واسط؟قال: لأني أرجو أن يجيء من واسط. قال: و إذا جاء من واسط فأيّ شيء يكون؟قال: يكون أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: و من يشتريه منك بخمسين دينارا؟قال: فلان. فتركه و مضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّ فرخا من فراخه إذا جاء أبوه من واسط اشتريته أنت منه [١]نعر: صاح «القاموس: نعر» .
[٢]في القاموس «قرض» : (المقارض: أوعية الخمر، و الجرار الكبار) .
[٣]البزيون: السندس، و هو رقيق الديباج «القاموس: بزيون، سندس» .
[٤]الخطمي: نبات محلّل منضّج مليّن، نافع لعسر البول و الحصا و النسا و قرحة الأمعاء و الارتعاش و تسكين الوجع «القاموس: خطم» .
[٥]كسكر: كورة بين الكوفة و البصرة. معجم البلدان ٤/٤٦١.
[٦]الصحناة: إدام يتخذ من السمك الصغار و الملح «القاموس: صحن» .