الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٣
و قال آخر[١]: [من الطويل]
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد # فقد هاج لي مسراك وجدا على وجد
أ أن هتفت و رقاء في رونق الضّحى # على غصن غضّ النّبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد و لم تكن # جليدا و أبديت الذي لم تكن تبدي
و قد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا # يملّ، و أنّ النّأي يشفي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا # على أنّ قرب الدّار خير من البعد
٦٨٣-[أنساب الحمام]
و قال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، و معروفات، و خارجيّات، و منسوبات.
و الذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النّسب التي تضاف إلى ابن الكلبيّ، و الشّرقيّ بن القطاميّ، و أبي اليقظان، و أبي عبيدة النحويّ، بل إلى دغفل ابن حنظلة، و ابن لسان الحمّرة، بل إلى صحار العبديّ. و إلى أبي السّطّاح اللّخميّ، بل إلى النّخّار العذريّ، و صبح الطائيّ، بل إلى مثجور بن غيلان الضّبيّ، و إلى سطيح الذئبيّ، بل ابن شريّة الجرهميّ، و إلى زيد بن الكيّس النّمريّ؛ و إلى كلّ نسّابة راوية، و كلّ متفنن علاّمة.
و وصف الهذيل المازنيّ، مثنّى بن زهير و حفظه لأنساب الحمام. فقال: و اللّه لهو أنسب من سعيد بن المسيّب، و قتادة بن دعامة للنّاس، بل هو أنسب من أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه!لقد دخلت على رجل أعرف بالأمّهات المنجبات من سحيم ابن حفص، و أعرف بما دخلها من الهجنة و الإقراف، من يونس بن حبيب.
٦٨٤-[مما أشبه فيه الحمام الناس]
قال: و ممّا أشبه فيه الحمام النّاس في الصّور و الشّمائل و رقّة الطباع، و سرعة القبول و الانقلاب، أنّك إذا كنت صاحب فراسة، فمرّ بك رجال بعضهم كوفيّ، و بعضهم بصريّ، و بعضهم شاميّ و بعضهم يمانيّ، لم يخف عليك أمورهم في الصّور و الشمائل و القدود و النّغم أيّهم بصريّ، و أيّهم كوفيّ، و أيّهم يمانيّ، و أيهم مدنيّ و كذلك الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام و جنسها و بلادها إذا رآها.
[١]الأبيات لابن الدمينة في ديوانه ٨٥، و لابن الطثرية في ديوانه ٦٨-٦٩، و لمجنون ليلى في ديوانه ١١٢-١١٣.