الإمام علي(ع) وتنمية ثقافة أهل الكوفة - العبادي، محمد - الصفحة ٥٩ - ٢ الأسوة الحسنة
كثيرة ، لكنّنا اقتصرنا على ما يقتضيه المقام ، عن سويد بن غفلة قال : ( دخلت على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) القصر ، فوجدته جالساً وبين يديه صَحفة فيها لبن حازر [١] أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يده رغيف يُرى قشار الشعير على وجهه ، وهو يكسره ويستعين أحياناً بركبته ، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه ، فقلت يا فضّة أمّا تتقون الله في هذا الشيخ ؟ أَلا نخلتم دقيقه ؟ فقالت إنّا نكره أن تؤجر ونأثم نحن ، قد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقاً فأصلحناه قال : وعليّ ( عليه السلام ) لا يسمع ما تقول ، فالتفت إليها فقال : ما تقولين ؟ قالت سلَه ، فقال لي : ما قلت لها ؟ [ قال ] إنّي قلت لها : لو نخلتم دقيقه ، فبكى ثمّ قال : ( بأبي وأمّي مَن لم يشبع ثلاثاً متوالية من خبز بُرّ حتى فارق الدنيا ، ولم ينخل دقيقه ) ، قال : يعني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ) [٢] .
لسائل أن يسأل من أين لعلي ( عليه السلام ) هذه القابلية والقدرة على تحمل هذه المشاقّ ؟ .
لقد كان الإمام ( عليه السلام ) يملك زمام نفسه فهو الذي أكبّ الدنيا على وجهها .
روى معاوية بن عمّار عن جعفر بن محمد ( عليها السلام ) قال : ( ما اعتلج على عليّ ( عليه السلام ) أمران في ذات الله تعالى إلاّ أخذ بأشدّهما ، ولقد علمتم أنّه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة ، وأن كان ليأخذ السّويق فيجعله في جِراب ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره ، ومَن كان أزهد في الدّنيا من
[١] لبن حامض .
[٢] الغارات : ٢/٧٠٧ ، كشف الغمة في معرفة الأئمة : ١/٢١٨ ، بحار الأنوار : ٤١/١٣٨ ، سفينة ا لبحار : ٣/٥٤١ .