الإمام علي(ع) وتنمية ثقافة أهل الكوفة - العبادي، محمد - الصفحة ١٠٣ - ٤ الأسلوب التأمّلي
اختلف خَلقه ، وتفجّر أمره ... ( فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ ، وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، وَاخْتِلافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلالِ ، وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ ) .
دعا الإمام أيضاً إلى التأمل ( مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الأَطْيَارِ ، الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأَرْضِ ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا ، وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا ، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ ، كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً ، وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ ، فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ ، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ .
وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطاووسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ ... ) [١] .
ثمّ فصّل الحديث في خلق الخفاش وعجيب أجزائه ، وفيما دبّ في الأرض ( انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَلا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ
[١] نفس المصدر : الخطبة ١٦٥ .