الإمام علي(ع) وتنمية ثقافة أهل الكوفة - العبادي، محمد - الصفحة ٥٨ - ٢ الأسوة الحسنة
وعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى ، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي ِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ لأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً ، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا .... وَلَقَدْ كَانَ ( صلى الله عليه وآله ) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ... خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَوَرَدَ الآخِرَةَ سَلِيماً ، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا ، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ ، فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ) [١] .
فالتأَسّي يكون بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) وبمَن تبعه واقتفى أثره ، وهو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذا الاقتداء يتم عبر الاهتداء يهدي النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والاستنان بسنته .
ثمّ إنّ الأُسوة الحسنة يختلف عن باقي أفراد الأمّة ، بحيث إنّه يريد أن يشارك في أحزان الناس وجُشوبة وعسر العيش ( أأقنع مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ ! ) [٢] .
هذه هي الحقيقة التي يعيش عليها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بين أهل الكوفة ، قد بيّنها على ما تقدم من السطور ، بيان هذه الحقيقة على ألسن الناس فهي
[١] نفس المصدر : الخطبة ١٦٠ .
[٢] نفس المصدر : كتاب ٤٥ .