الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٩١
فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .
قال أبو محمد : فلولا هذه النصوص من القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الصحابة الحديث الذي تعلقوا به ، ولكن ليس كل أحد يحضره في كل حين ذكر كل ما عنده ، واحتجوا بإجماع الأمة على استخلاف إمام إذا مات إمام ولا نص على المستخلف .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان النص قد صح بطاعة أولي الامر منا ، وجاءت الآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الطاعة للأئمة ولزوم البيعة ، وهذا ما يوجب استخلاف إمام إذا مات الامام ، فهو نص صحيح على وجوب الاستخلاف لمن يوثق بدينه ويقوم بأمور المسلمين من قريش ، نصوصا بينة على وجوب العدل على الامام ، والرفق بالرعية ، والنصح لهم ، فصفات الامام منصوصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينة واضحة . فمن كانت فيه تلك الصفات فقد نص على تقديمه وإفراده بالامر ما عدل . كالأمر بالعتق ، ولا حاجة بنا إلى تسمية المعتق ، وإيجاب الأضحية والنسك ، ولا حاجة بنا إلى صفة لونها ، وهكذا جمع الشريعة ، وليت شعري أي مدخل للقياس في هذا ؟ إن هذا الامر كان ينبغي لكل ذي عقل أن يستحي من الاحتجاج بمثله .
واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نبي بعدي قالوا لنا فقولوا إنه يكون بعده رسول ، لأنه أخبر بأنه لا يكون بعده نبي ، ولم يقل لا رسول بعدي .
قال أبو محمد : وهذا جهل مظلم ممكن أتى بهذا ، لان هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ، فلو قال عليه السلام : لا رسول بعدي ، لأمكن أن يقول بعده نبي ، لكن إذ قال : لا نبي بعدي فقد صح أنه لا رسول بعده ، لان كل رسول فهو نبي بلا شك . ولا سبيل إلى وجود رسول ليس نبيا ، فبطل هذا التمويه الضعيف على أن هذا كله لو صح لهم كما ادعوه ، ومعاذ الله من ذلك ، لما كان من شئ منه دليل على قياس التين على البر ، ولا على وجوب القياس في الشرائع ، فكيف وكل ما أوتوا به عليهم هو لا لهم ، والحمد لله رب العالمين .
وقد حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ، ثنا وهب بن مسرة ، ثنا ابن وضاح ، حدثنا