الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٤٦
كحكمها على المسلمة ، والاجماع لا يجوز خلافه . وأيضا فإن الآيات التي أوجب الله تعالى فيها العدد على المطلقات معلومة محصورة ، لا خلاف بين المسلمين أن المراد بها الممسوسات ، وأصل الناس كلهم على البراءة من وجوب الاحكام عليهم ، حتى يلزمهم الحكم نص أو إجماع ، وإلا فلا يلزم أحدا حكم إلا أن يلزمه إياه نص أو إجماع ، فبقيت الذمية المطلقة غير الممسوسة لم يأت قط بإيجاب عدة عليها ، فلم يجز لاحد أن يلزمها عدة لم يأت بها نص ولا إجماع ، ووجب المتعة لها ، ونصف الصداق بإيجاب الله تعالى ذلك لكل مطلقة فرض لها صداق المتعة خاصة لكل مطلقة ، وهي إحدى المطلقات فبطل ظن هؤلاء القوم ، والحمد لله رب العالمين .
واحتجوا بما في القرآن من الآيات التي فيها خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، مثل قوله تعالى : * ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) * ومثل قوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة ) * وما أشبه ذلك . قالوا : فقلتم : هي لازمة لنا ومباحة ، كلزومها النبي صلى الله عليه وسلم وإباحتها له .
قال أبو محمد : وهذا من التخليط ما هو ، لان النص حكم علينا بذلك إذ يقول :
* ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) * وبقوله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وبغضبه صلى الله عليه وسلم على من تنزه عن أن يفعل مثل فعله ، فبطل تمويههم بأن هذا قياس ، وصح وجوب كل شريعة خوطب بها صلى الله عليه وسلم : علينا ما لم ننه عن ذلك ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الوصال : لست كهيئتكم . فلو قال قائل : إن الذين تعلقوا به مما ذكروا هو حجة عليهم في إبطال القياس ، لكان حقا ، لنص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ليس كهيئتنا ، ولا كأحدنا ، ولا مثلنا ، وإذ ليس مثلنا والقياس عند القائلين به إنما هو قياس الشئ على مثله لا على ما ليس مثله .
فقد بطل القياس ههنا فيلزمهم أيحكموا على الناس بشئ خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، وإن فعلوا ذلك خرجوا من الاسلام ، فصح أنه لا مدخل لهذه الآيات ، ولا لهذا المعنى في القياس البتة ، وبالله تعالى التوفيق .