الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٨٩٦
قال أبو محمد : فيقال لهم : هذا تعليم منكم لربكم عز وجل ، كيف ينزل وحيه ولنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يبلغ عن ربه تعالى ، فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة ويقال لهم : ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين مرة ، ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين في الآية الأخرى ، وبين ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة بما بين في حديث آخر ؟ وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة ؟ .
ويقال لهم في سؤالهم : فما معنى ذكر السائمة ، وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ؟ :
ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى : * ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) * وقد كان يغني ذكر الملائكة جملة ؟ وما معنى قوله تعالى : * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) * أترى إسماعيل لم يكن حليما أواها ؟ وما معنى قوله تعالى في إسماعيل : * ( إنه كان صادق الوعد ) * أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا ؟ .
ويقال لهم : قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن ، وهو المعجز نظمه ، بذكر قصة من خبر أو شريعة أو موعظة ، فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان ، ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه ، وتلك الشريعة بعينها ، وتلك الموعظة بعينها في مكان آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع ، ولا يعترض في هذا إلا طاعن على خالقه عز وجل ، لان الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن ، في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم ، وصفة الجنة والنار ، وأمر الصلاة والحج والصدقة والجهاد وغير ذلك . وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا ، ولا فرق بين تكرار جميعه ، وبين تكرار بعضه ، فكرر صلى الله عليه وسلم ذكر الغنم السائمة في مكان ، وذكر في مكان آخر الغنم جملة ، كما كرر قوله تعالى : * ( ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) * . وكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في القرآن في مائة وثلاثين موضعا ، وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا ، ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط ، وكما كرر تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * أكثر من آية ) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة فهل لاحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر ؟ أو هلا اقتصر على عدد منها أقل ؟