الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٧٥
حرمه ، لان الله تعالى حرم وأوجب وأحل ، وكل ذلك تعد لحدود الله تعالى .
وموهوا أيضا بأن قالوا : لو كان العلم كله جلي لاستوى العالم والجاهل في البيان ، ولو كان العلم كله خفيا لاستوى العالم والجاهل في الجهل به ، فصح أن بعضه جلي وبعضه خفي ، فوجب أن يقاس الخفي على الجلي .
قال أبو محمد : وهذا كلام في غاية الفساد ، لأنه إذا كان بعضه جليا وبعضه خفيا ، فالواجب على أصلهم هذا الفاسد أن يستوي العالم والجاهل في تبين الجلي منه ، وأن يستوي الجاهل والعالم في خفاء الخفي منه عليهما أيضا ، فبطل العلم على أصلهم الخبيث الظاهر الفساد .
وأما نحن فنقول إن العلم كله جلي بين ، نعني علم الديانة ، قال تعالى : * ( تبيانا لكل شئ ) * وقال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين للناس ما نزل إليه ، ومن قال غير هذا فهو كافر بإجماع الأمة فإذا قد صح أنه عليه السلام قد بين ما نزل إليه والمبين بين ، والحمد لله رب العالمين ، لمن يعلم اللغة التي بها خوطبنا . وإنما خفي ما خفي من علم الشريعة على من خفي عليه ، لاعراضه عنه وتركه النظر فيه وإقباله على وجود الباطل ، التي ليست طريقة إلى فهم الشريعة ، أو لنظره في ذلك بفهم كليل ، إما لشغل بال أو مرض أو غفلة ، ولو لم يكن علم الدين جليا كله ما أمكن الجهل فهم شئ منه أبدا ، نعني مما يدعون أنه خفي ، فلما صح أن العالم ممكن له إقامة البرهان وإيضاح ما خفي على الجاهل حتى يفهمه ويتبين له ، صح أن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة ، والحمد لله رب العالمين .
وموهوا أيضا بما روي من قول نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثناه عن عبد الله بن ربيعة التميمي ، ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا سليمان بن الأشعري ، ثنا حفص بن عمر العوضي ، عن شعبة ، عن أبي عون ، عن الحارث ابن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بكتاب الله عز وجل ، قال : فإن لم تجد في كتاب الله عز وجل ؟ قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ قال : اجتهد رأيي ولو آلو : قال : فضرب