الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٠٢
قال أبو محمد : وليس ذلك كما ظنوا ، ولكن حديث لقيط فيه إيجاب المبالغة على غير الصائم فرضا لا بد له من ذلك ، وفيه استثناء الصائم من إيجاب ذلك عليه ، فسقط عن الصائم فرض المبالغة وليس في سقوط الفرض ما وجب المنع منها ، فليس في الحديث المذكور منع الصائم منها ، لكنه له مباحة لا واجبة ولا محظورة لان الإباحة واسطة بين الحظر والايجاب . فإذا سقط الايجاب لم ينتقل إلى الحظر إلا بنهي وارد ، لكن ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الإباحة أو الندب ، وإذا سقط التحريم ولم ينتقل إلى الوجوب إلا بأمر وارد ، لكنه ينتقل إلى أقرب المراتب إليه وهي الإباحة أو الكراهة وقد بينا هذا في باب النسخ من هذا الكتاب .
قال أبو محمد : وقال بعض من غلط في هذا الفصل أيضا من أصحابنا : إن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بن عسال المرادي ألا ينزع المسافرون الخفاف ثلاثا ، إيجاب لنزعها بعد الثلاث ، وإيجاب على المقيم نزعها بعد يوم وليلة ، فأوجبوا من ذلك أن يصلي الماسح بعد انقضاء الأمدين المذكورين ، حتى ينزع خفيه ، ولم يوجبوا عليه بعد ذلك أن يجدد غسل رجليه ، ولا إعادة وضوئه ، وأنكر ذلك أبو بكر بن داود رحمهما الله وأصاب في إنكاره .
قال أبو محمد : وليس في الحديث المذكور إيجاب نزع الخفين ولا المنع من نزعهما وإنما فيه المنع من إحداث مسح زائد فقط ، وهو الخيار بعد انقضاء أحد الأمدين بين أن ينزع ويصلي دون تجديد وضوء ولا غسل رجليه ، وبين ألا ينزعهما ويصلي بالمسح المتقدم ما لم ينتقض وضوءه ، فإذا انتقض وضوءه فقد حرم عليه المسح ، وإذا حرم عليه المسح لزمه فرض الوضوء ، فلا بد حينئذ من غسل الرجلين ، وإذا لم يكن بد من غسل الرجلين فلا سبيل إلى ذلك إلا بإزالة الخفين فحينئذ لزم نزع الخفين ، لا قبل أن يحدث .
وبلغنا عن بعض أصحابنا أنه يقول : إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الماء لا ينجسه شئ دليل على أن ما عداه ينجس ، فيقال له وبالله تعالى التوفيق : هذا ليس بشئ لوجوه : أولها أنها دعوة مجردة بلا دليل ، ويقال : ما الفرق بينك وبين من قال : بل ما هو إلا دليل على أنه مثل الماء في أنه لا ينجس ؟ فإن قال : هذا قياس والقياس باطل ، قيل له : هل كان القياس باطلا إلا لأنه حكم بغير نص ؟