الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٣٣
كالسمن من السمن والفأر من الفأر وكل نوع من نوعه والجوز مخالف للرمان كخلاف السنور من الفأر ، وخلاف الزيت للسمن . وهذا هو الذي ينكره ذو عقل ، وأنه إذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم البر بالبر متفاضلا لزم ذلك في كل بر ، ولم يجب فيما ليس ببر إلا بنص آخر ، وإذا أمر بهرق السمن المائع الذي مات فيه الفأر ، وجب ذلك في كل سمن مات فيه فأر ، ولم يجب ذلك في غير السمن الذي مات فيه الفأر ، وهذا هو الذي لا تعرف العقول غيره وبالله تعالى التوفيق .
وأما تحريم البلوط قياسا على البر وهرقهم الزيت قياسا على السمن ، فهو كمن قال : الذي داخل اللوز كالذي داخل الرمان ولا فرق ، فبطل قولهم بالبرهان الضروري . وصح أن القياس إنما هو قياس نوع على نوع آخر وهذا باطل بنفس احتجاجهم وبالله تعالى التوفيق .
ويقال لهم : أمعرفتكم بأنكم تموتون ، وهو شئ يستوي في الاقرار به كل ذي حس ، هو مثل معرفتكم بالشرائع كالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك مما يحرم في البيوع والنكاح وما يحل ؟ فإن قالوا : لا ، كفونا أنفسهم ، وأبطلوا ما استدلوا به ههنا ، وإن قالوا : نعم كابروا ولزمهم أن يكونوا مستغنين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا يدرون الشريعة بطبائعهم قبل أن يعلموها ، وهذا ما لا يقوله ذو عقل .
ويقال لهم هل كان على قشر الرمان قط على لوز : فإن قالوا : نعم ، لحقوا بسكان المارستان ، وإن قالوا : لا ، سألناهم ، أكانت الخمر قط حلالا ، وكان بيع البر بالبر متفاضلا غير محرم في صدر الاسلام أو لم يزل ذلك والخمر حلالا مذ خلق الله الخمر وللبر بينة الطبع ؟ فإن قالوا كانت الخمر وبيع البر متفاضلا غير حرام برهة من الاسلام ، ثم حرم ذلك أقروا بأن ذلك ليس من باب ما في قشر اللوز والرمان في ورد ولا صدر ، لان الطبائع قد استقرت مذ خلق الله تعالى العالم على رتبة واحدة ، هذا معلوم بأول العقل والحس اللذين يدرك بهما علم الحقائق ، وأما الشرائع فغير مستقرة ولم يزل تعالى مذ خلق الخلق ينسخ شريعة بعد شريعة ، فيحرم في هذه ما أحل في تلك ويسقط في هذه ما أوجب في تلك ويوجب في هذه ويحل فيها ما أسقط في تلك ، وما حرم إلى أن نص الله