الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٨٦
بعده صلى الله عليه وسلم ، فإن ذكر ذاكر معنى ما روي عن عائشة إذ سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف ؟ فإنما معناه : لو كتب الكتاب في ذلك .
قال أبو محمد : فهذا قول ثان ، وقالت الزيدية : إنما استخلف أبو بكر استيلانا للناس كلهم ، لأنه كان هنالك قوم ينافرون عليا ، فرأى علي أن قطع الشغب أن يسلم الامر إلى أبي بكر ، وإن كان دونه في الفضل .
قال أبو محمد : وأما أن يقول أحد من الأمة : إن أبا بكر إنما قدم قياسا على تقديمه إلى الصلاة فيأبى الله ذلك ، وما قاله أحد قط يومئذ ، وإنما تشبث بهذا القول الساقط المتأخرون من أصحاب القياس ، الذين لا يبالون بما نصروا به أقوالهم ، مع أنه أيضا في القياس فاسد ، لو كان القياس حقا ، لما بينا قبل ، ولأن الخلافة ليست علتها علة الصلاة ، لان الصلاة جائز أن يليها العربي والمولى والعبد ، والذي لا يحسن سياسة الجيوش والأموال والاحكام والسير الفاضلة ، وأما الخلافة فلا يجوز أن يتولاها ، إلا قرشي صليبة ، عالم بالسياسة ووجوهها . وإن لم يكن محكما للقراءة . وإنما الصلاة تبع للإمامة ، وليست الإمامة تبعا للصلاة ، فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس الإمامة التي هي أصل ، على الصلاة التي هي فرع من فروع الإمامة ؟ هذا ما لا يجوز عند أحد من القائلين بالقياس .
وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم أكابر المهاجرين ، وفيهم عمرو وغيره أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ممن تجوز له الخلافة ، فكان أحقهم بالصلاة ، لأنه كان أقرأهم ، وقد كان أبو ذر ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود أولى الناس بالصلاة إذا حضرت ، إذا لم يكونوا بحضرة أمير أو صاحب منزل ، لفضل أبي ذر وزهده وورعه وسابقته ، وفضل سائر من ذكرنا وقراءتهم ولم يكونوا من أهل الخلافة ، ولا كان أبو ذر من أهل الولايات ولا من أهل الاضطلاع بها . وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإنك ضعيف ، فلا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم