الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٥٤
أول مرة ، وهذا كفر مجرد ، لا يقول به إلا أصحاب التناسخ ، فقبح الله كل احتجاج يفر صاحبه من الانقطاع والاذعان للحق إلى ما يؤدي إلى الكفر ، فبطل تمويههم بهذه الآية ، وصح أن معناها هو اقتضاء ظاهرها فقط ، وهو أن القادر على خلق الأشياء ابتداء قادر على إحياء الموتى . وقد بين الله تعالى نصا إذ يقول : * ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير ) * فبين عز وجل أنه إنما بين ذلك قدرته على كل شئ .
وإنما عارض الله تعالى بهذا قوما شاهدوا إنشاء الله تعالى للعظام من مني الرجل والمرأة أقروا بذلك وأنكروا قدرته تعالى على إنشائها ثانية وإحيائها ، فأراهم الله تعالى فساد تقسيمهم لقدرته كما قال في أخرى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير ) * فهذه كتلك ، وليس في شئ منها أن نحكم لما لا نص فيه بالحكم بما فيه نص من تحريم أو إيجاب أو إباحة أصلا وأن هذا كله باب واحد ، ليس بعضه مقيسا على بعض ، ولا أصلا والآخر فرعا ، وإقدام أصحاب القياس وجرأتهم متناسبة في مذاهبهم وفيما يؤيدونها ، نعوذ بالله من الخذلان .
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى : * ( حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) * وبقوله تعالى : * ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي أحياها لمحيي الموتى ) * وبقوله تعالى : * ( فأحيينا به بلدة ميتا كذلك النشور ) * وبقوله تعالى : * ( وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ) * إلى قوله : * ( كذلك الخروج ) * وبقوله تعالى : * ( فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) * .
قال أبو محمد : وهذا كله من جنس ما ذكرناه آنفا والمحتج بهذه الآيات في إثبات القياس في الاحكام ، إما جاهل أعمى لا يدري ما القياس ، وإما مموه لا يبالي ما قال : ولا ما أطلق به لسانه في استدامة حاله ، ولو كان هذا قياسا لوجب أن يحيي الله الموتى كل سنة في أول الربيع ، ثم يموتون في أول الشتاء كما تفعل الثمار