الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩١٤
وسلم سها عما تنبه له هذا المتعقب فقد عظم غلطه * ( وما كان ربك نسيا ) * وليت شعري أي شئ كان المانع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : لا قطع إلا في قيمة ربع الدينار فصاعدا ، فيكشف عنا الاشكال ، وقد أمره ربه تعالى بالبيان والذي نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه أراد القيمة ولم يبينها فإنما هو تلبيس لا بيان ، وقد أعاذ الله تعالى من ذلك .
والحديث الذي فيه ذكر القيمة ليس فيه بيان بأن القطع من أجل القيمة ، فليس لأحد أن يقول : إن التقويم كان من أجل القطع ، إلا كان لآخر أن يقول : بل لتضمين السارق ما جنى في ذلك .
قال أبو محمد : ثم يقنعوا إلا بأن نسبوا إلى الذي وصفه ربه تعالى بأنه رؤوف بنا رحيم ، وأنه عزيز عليه ما عنتنا ، إنه زادنا تلبيسا بقوله صلى الله عليه وسلم : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده إنه إنما في بيضة الحديد التي يقاتل بها ، وأنه صلى الله عليه وسلم عنى حبلا مزينا يساوي ربع دينار ، هذا مع أنها دعاوى بارية عارية من الأدلة ، فهي أيضا فاسدة ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذا عذر السارق وكيف يريد عذره وهو يلعنه ؟ وإنما أراد صلى الله عليه وسلم شدة مهانة السارق ورذالته وأنه يبيح يده فيما لا خطب له من بيضة أو حبل ، وهذا الذي لا يعقل سواه .
ولهم من مثل هذا ، ما ينسبونه إلى مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم غثايث جمة يوقرون أنفسهم عن مثلها ، فمن ذلك ما ينسبون إلى الآية التي في الوصية في السفر أن قول الله تعالى : * ( وآخران من غيركم ) * أي من غير قبيلتكم ، وهذا من الهجنة بحيث لا يجوز أن ينسب إلى من له أدنى معرفة باللغة ومجاري الكلام ، فكيف بخالق الكلام والبيان ؟ لا إله إلا هو .
ومن ذلك قول بعض المالكيين في قوله صلى الله عليه وسلم : للذي خطب المرأة وهو لا شئ معه : التمس ولو خاتما من حديد قال هذا القائل : إنما كلفه عليه السلام خاتما مزينا مليحا يساوي ربع دينار .