الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٨٨
منصوص بين في القرآن والسنة ، فمن قائل : ليس عليه العمل ، ومن قائل : هذا تلقى بخلاف ظاهره ، ومن قائل : هذا خصوص ، ومن قائل : هذا منسوخ . ومن قائل : هذا تأويل ، وكل هذا منهم بلا دليل في أكثر دعواهم كاختلافهم في وجوب الوصية لمن لا يرث من الأقارب والاشهاد في البيع ، وإيجاب الكتابة ، وقسمة الخمس ، وقسمة الصدقات وممن تؤخذ الجزية ، والقراءات في الصلوات والتكبير فيها ، والاعتدال ، والنيات في الأعمال والصوم ، ومقدار الزكاة وما يؤخذ فيها المتعة في الحج ، والقرآن والفسخ ، وسائر ما اختلف الناس فيه ، وكل ذلك منصوص في القرآن والصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فعلى هذا وعلى النسيان للنص كان اختلاف من اختلف في خلافة أبي بكر .
وأما الأنصار فإنهم لما ذكروا ، وكان قبل ذلك قد نسوا ، حتى قال قائلهم : منا أمير ومنكم أمير ، ودعا بعضهم إلى المداولة ، وبرهان ما قلنا أن عبادة بن الصامت الأنصاري روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الأنصار بايعوه على ألا ينازعوا الامر أهله ، وأنس بن مالك الأنصاري روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الأئمة من قريش .
فبهذا ونحوه رجعت الأنصار عن رأيهم ، ولا ذلك ما رجعوا إلى رأي غيرهم ، ومعاذ الله أن يكون رأي المهاجرين أولى من رأي الأنصار ، بل النظر والتدبير بينهم سواء ، وكلهم فاضل سابق . وقد قال عمر يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم :
والله ما مات رسول الله ، وهو يحفظ قول الله عز وجل : * ( إنك ميت وإنهم ميتون ) * فلما ذكر بها خر مغشيا عليه ، وهكذا عرض للأنصار .
وقد روينا ذلك نصا . كما حدثنا عبد الله بن ربيع ، نا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي ، نا أحمد بن خالد ، نا علي بن عبد العزيز ، نا الحجاج بن المنهال ، ثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري - فذكر حديث وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : فقال رجال أدركناهم - فذكر باقي الحديث - وفيه ، أن أبا بكر قال : وقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد : إن الأئمة من قريش ، والناس برهم تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم قال : صدقت أو قال : نعم .