الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٣٤
تعالى أنه لا تبدل هذه الملة أبدا . فصح أن من شبه الطبائع التي تعلم بالحس والعقل بالشرائع التي لا تعلم إلا بالنص ، لا مدخل للعقل ولا للحس في تحريم شئ منها ، ولا في إيجاب فرض منها إلا بعد ورود النص بذلك ، فهو غافل جاهل ، ولو احتج بهذا يهودي لا يرى النسخ ، لكان هذا الاحتجاج أشبه بقوله ، منه بقول أصحاب القياس .
وأما الموت فهو حكم كل جسم مركب من العناصر إلى نفس حية فقد رتب الله تعالى في العالم هذا اصطحابهما مدة ، ثم افتراقهما ، ورجوع كل عنصر إلى عنصره ، وليس هذا قياسا يوجب موت أهل الجنة والنار فبطل تمويههم ، وبالله تعالى التوفيق .
وقالوا : القياس فائدة زائدة على النص .
قال أبو محمد : لا فائدة في الزيادة على ما أمر الله تعالى به ، ولا في النقص ، منه ، بل كل ذلك بلية ومهلكة ، وتعد لحدود الله تعالى ، وظلم وافتراء ، وبالله تعالى نعوذ من ذلك ، ولا أعظم جرما ممن يقر على نفسه أنه يزيد على النص الذي أذن الله به ، ولم يأذن في تعديه . وبالله تعالى نعوذ من الخذلان .
واحتج بعضهم فقال لمن سلف من أصحابنا فقهكم في اتباع الظاهر يشبه فعل الغلام الذي قال له سيده : هات الطست والإبريق ، فأتاه بهما ؟ ولا ماء في الإبريق ، فقال له : وأين الماء ؟ لم تأمرني ، وإنما أمرتني بطست وإبريق فهاهما ، وأنا لا أفعل إلا ما أمرتني .
قال أبو محمد : فقال لهم ، وبالله تعالى التوفيق : بل فقهكم أنتم يشبه فعل المذكور على الحقيقة إذ قال له سيده ، إذا أمرتك بأمر فافعله وما يشبهه ، فعلمه سيده القياس حقا على وجهه ، وحفظ الغلام ذلك ، وقبله قبولا حسنا ، فوجد سيده حرارة فقال : سق إلي الطبيب ، فإني أجد التياثا ، فلم ينشب أن أتاه ، بعض إخوانه فزعا ، فقال له : يا فلان ، من مات لك ؟ فقال : ما مات لي أحد ، فقال له : فإن الغاسل والمغتسل والنعش وحفار القبور عند الباب ، فدعا غلامه فقال له : ما هذا بالباب ؟ فقال له ألم تأمرني إذا أمرتني بأمر أن أفعله وما