الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٤٥
رجوعها إلى الزوج المطلق ثلاثا ، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما جعل الحكم الرافع للتحريم ذوق العسيلة في النكاح الصحيح ، فإذا ارتفع بذلك التحريم فقد صارت كسائر النساء ، فإذا خلت من ذلك الزوج بفسخ أو وفاة أو طلاق كان لها أن تنكح من شاءت من غير ذوي محارمها ، ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذوق العسيلة طلاقا من فسخ من وفاة ، وأيقنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يبحها للزوج الأول ، وهي بعد في عصمة الزوج الثاني ، ولا خلاف بين أحد في ذلك .
وأما طلاق الذمي وسائر الكفار ، فليس طلاقا ، لان كل ما فعل الكافر ، وقال غير اللفظ بالاسلام ، فهو باطل مردود إلا ما أوجب إنفاذه النص أو الاجماع المتيقن المنقول ، أو أباحه له النص أو الاجماع ، كذلك فإذا لفظ بالطلاق فهو لغو لأنه لا نص ولا إجماع في جواز طلاقه ، فليس مطلقا وهو بعد في عصمته ، لصحة نكاحهم بالنص من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للكفار ، لما أسلموا مع نسائهم ، على نكاحهم معهن ، ولأنه صلى الله عليه وسلم من ذلك النكاح خلق ، وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم مخلوق من أصح نكاح ، ولا يحل لمسلم أن يمر بباله غير هذا ، ولم يمنع تعالى في الآية من إباحة رجعتها بعد وفاة الزوج ، أو فسخ نكاحه ، وإنما ذكر تعالى الطلاق ، فقط ، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجمال لفظه الطلاق وغيره ، وقد كان يلزم من قال بذلك الخطاب منهم ألا يبيحها إلا بعد الطلاق لا بعد الفسخ والوفاة ، فهذه الآية حجة عليهم لا لهم ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) * قالوا : فقستم الكافرات في ذلك على المؤمنات .
قال أبو محمد : وهذا خطأ ، وقد بينا ، في باب مفرد من كتابنا هذا ، لزوم شريعة الاسلام لكل كافر ومؤمن مستويا بقوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) * فهذا لازم في كل حكم ، حاشا ما فرق النص والاجماع المتيقن فيه بين أحكامنا وأحكامهم ، وما كان كرامة لنا ، فإنه ليس لهم فيه حظ لقول الله تعالى :
* ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) * والصغار لا يجتمع مع الكرامة أصلا .
وأيضا فالأمة كلها مجمعة على أن حكم العدة في الطلاق وسقوطها على الذمية